لا شيء في هذا الكون خارج عن مجال الكارما. والأنا أو الإيغو ما هي إلا نتاج قوى الكارما. وبالنسبة لنا نحن الغربيين نرى في الكارما على أنها دفع ما هو مستحق علينا بالضبط مقابل تجاوزاتنا الأخلاقية – قانون ميكانيكي بحت. لكن وجهة النظر البوذية على العكس من ذلك. فقط عندما ندرك عواقب الكارما وعلى نحو تام، نفهم عندها من نحن ولماذا نحن هنا ونتصل مع دفء العالم وهنائه، ونعيش تجربة الرأفة الحقيقية والرغبة بتحرير النفس وكل الكائنات من المعاناة. وإدراك  أنه لا توجد “أنا” متأصلة بحد ذاتها ومستقلة – لكن مجرد عملية قوى الكارما الموضوعية – يعني نيل التحرر الكامل.

 

تركز الفلسفة البوذية على نوعين من الكارما: أولا الكارما المتعلقة بالنتيجة والمُحصلة، وهذه تتناول السؤال الأزلي لماذا نحن هكذا ولم نكن على شاكلة أخرى، وهي تظهر لنا أن كل مظهر من مظاهر حياتنا هو نتاج أفعال قمنا بها في السابق. وهذا يتعلق بجسدنا وأحواله، وتنشئتنا، وأصدقاءنا وأقاربنا وخالتنا الذهنية والعاطفية  العامة …إلخ.

والنوع الثاني يتعلق بالنتيجة و ما كان لنا تأثير على مستقبلنا. وكل ما نفعله، ما دق وما كبر يحدث أمواج الأسباب وعواقبها. وتوليد ظروف ايجابية في المستقبل لا تضمن لنا السعادة فقط بل تضمن لنا أن نسير على طريق روحاني وأن نساعد الآخرين. توليد الظروف السلبية لا يجلب المعاناة وحسب بل يخلق عقبات داخلية وخارجية تحول بيننا وبين تطورنا في المسار الروحاني.

والعامل الأساسي في ذلك هو النية والقصد من وراء الفكر أو الفعل. وليس من السهل تقييم دوافعنا بسبب ميلنا لإخفاء مقاصدنا ودوافعنا الحقيقية وراء ما نفكر به وما نقوم به من أفعال. فمثلا قد نقنع أنفسنا في العديد من المرات بأننا نتصرف بكرم وسخاء لكن ما يتبين لنا بعد ذلك ومن خلال ردود فعل الآخرين هو أننا وللمرة الثانية لا نخدم سوى أنفسنا وأننا تجاهلنا احتياجات الآخرين. و لا يُعتبر الجهل في الدوافع وما نضمره في أنفسنا من نوايا حسب الفلسفة البوذية  عذرا ولا يزيح عنا عبء عواقب الكارما. وبالتسبب بالأذى اللفظي أو السلوكي فإننا نزداد قسوة ونقلل من مستوى حساسيتنا تجاه الكائنات، ونخلق بذلك عقبات وتشويش واضطراب.

ومصدر الأذى اللفظي أو الفعلي هو أفكار وعواطف في ذهننا.

والسؤال هنا ما دام انه لا توجد “أنا” مستقلة بحد ذاتها، كيف للكارما أن تستمر من حياة لأخرى؟ والجواب هو أن كل فعل مقصود يترك أثرا على أذهاننا وبشكل دقيق لا نعي به. لكنه يبقى داخلنا وعلى مستوى لا يمكن الوصول اليه ويطلق عليه alaya أي “الوعي الكوني” ومن هناك تستمر في التأثير على على الكيفية التي نفكر فيها ونعيش بها تجاربنا. وهذا الوعي المتناهي في دقته والمشروط بجميع كارماتنا السابقة – هو ما يغادر الجسد عند الموت ويحمل معه جميع تاريخ كارماتنا.

ويُعرف وجودكل واحد منا على أنه “تيار من الحياة” من مجموعة من اللحظات المرتبط بعضها ببعض. لحظة من الوعي تمثل سببا رئيسيا تنقل بعبء ما تحمل من كارما للحظة التي تليها، وهذا يحدث أثناء حياتنا وفي لحظة الموت. واعتقادنا بأننا ذات منفصلة عن غيرنا ومستقلة هو ما يبقي هذا التيار من الكارما كما هو دون المساس به وهذا ما يعزز الوهم الذي يشعرنا بأننا  أشخاص منفصلين عن الآخرين. وهذا الوهم ينقلنا وحسب ما صنعناه من كارما من حياة لأخرى.

لقد أصبحت الكارما موضوعا جدليا بين البوذيين حيث اختلف العلماء فيما تعنيه. وها أنا هنا سألقي بدلوي أيضا وأقول أنني لا أعتقد بأن الكارما متعلقة بأي نوع من أنظمة العدل الخارجي حيث تُقدر علينا المعاناة بسبب فعل سلبي لا نكاد ختى نتذكره. وبكل بساطة ووضوح، الكارما هي نوايانا – نوايانا في هذه اللحظة.

الترجمة الحرفية لكلمة كارما بالسنسكريتية تعني “الفعل”. لكن بوذا شكياموني قال في العديد من  المرات أن الكارما تعني “النية”. وهناك مكونان للفعل: 1) الفعل المجرد 2) النية المرافقة للسلوك.

فمثلا قد يكون الفعل المجرد البراعة في استخدام السكين لكن النية المصاحبة لذلك قد تكون لإنقاذ حياة أو طعن أحد. وحدد بوذا شكياموني 6 أنواع من النوايا والمقاصد من وراء ما نقوم بأفعال:

  1. النية الحسنة أو الطيبة
  2. الرأفة أي الرغبة في رفع المعاناة عن كل الكائنات
  3. الكرم
  4. النية الهدامة أو الغضب
  5. القسوة والوحشية
  6. الجشع

وما يحدد إذا ما كان الفعل مؤذيا أم لا هو النظر في النية: هل الغرض تخفيف المعاناة عن النفس والآخرين أم زيادتها؟ فمثلا ما نتلفظ به من كلام، قد نصرخ ونقول “لا تتحرك” وهذا فعل مجرد والنية هي ما يحدد الخير أو السوء أو الأمور البناءة والهدامة في ذلك فقد يكون ايجابيا حيث القصد من ذلك تنبيه شخص ألا يمر من أمام سيارة مسرعة أو قد نقول تلك العبارة موجهين البندقية على رأس أحدهم للتسبب بأذى ضده.

وكذلك الأفكار فقد تكون ايجابية أو سلبية: فقد نفكر مثلا بالأشخاص المشردين دون مأوى ونفكر ونأمل أن يجدوا مأوى فيه الدفء أو قد نفكر بشكل قاس ونتمنى أن يتجمدوا من البرد.

والكارما ضرورية في نمونا كأناس محبين ومتحلين بالحكمة، فكل فعل نقوم به نهيء أو نعرض انفسنا للقيام بذلك مرة ثانية. ونزرع بذورا للسلوك. وكما قال بوذا شكياموني ما نفكر به باستمرار يولد لدينا ميلا ونمطا أو نزعة في ذهننا. فإذا كانت نيتنا دائما سيئة فإن الميل للتصرف بنية سيئة يشتد فينا، ونتصرف بناء على ذلك في المستقبل. والعكس عندما نتصرف بنية اللطف فيصبح اللطف منطلقا لتصرفاتنا. وبذلك نشكل شخصية لنا تؤثر على العالم من حولنا.

من الضروري القيام بالتدرب على الحضور الذهني فبذلك يزداد وعينا بما نضمره من نوايا وما نقوم به من ردود أفعال. وكما قال بوذا ” عندما ننوي شيئا ما فإننا بذلك نولد كارما”.

تقدم لنا تعاليم الكارما منظورا هاما يساعدنا في النظر ليس فقط إلى حاضرنا بل وماضينا ومستقبلنا أيضا.

ومما علم بوذا شكياموني: تتضمن  تجربتنا في لحظة الآن على 3 أشياء) 1) سعادة وألم بسبب نوايانا في الماضي  2) نوايا في الحاضر 3) ألم وسعادة بناء على نوايانا في هذه اللحظة. وبناء على موضوع السعادة فإن لهذه التعاليم 3 إشارات.

1)اللحظة الحالية ليست تماما من صنع الماضي، في الواقع يعتبر أهم عنصر في صنع الحاضر واللحظات التي نعيشها الآن هو كيف نشكلها بناء على نوايانا وما لدينا من مواد خام من الماضي.

2) لا تأتي الآلام والسعادة هكذا تسبح في الفضاء على عاتقها لكنها تأتي من النوايا -وهي أفعال، وهذا يعني أن هناك ثمنا سندفعه لكل فعل حيث أن لكل فعل أثر علينا وعلى الآخرين. وإذا كان سعيك من أجل السعادة سببا في التعاسة مؤذيا للآخرين  فسيسعون وراءك حتى يفسدوا سعادتك.  وإذا كان سعيك وراء السعادة مؤذيا لك فبذلك قد فشل سعيك.

3) يؤثر بحثك عن السعادة والرضى على حاضرك ومستقبلك أيضا. وإذا أردت سعادة طويلة الأمد ينبغي أن تأخذ في الحسبان أفعالك في هذه اللحظة فلا يمكنك مغادرة المستقبل لتصلح ما ترتكبه الآن من أخطاء.

وهكذا وبعدما رأيت الارتباط بين الأفعال والسعادة من الضروري البحث في سبلها دون التسبب بأذى. وستختار بحذر أي نوع من المهارات التي ستنميها الآن والتي ستحتاجها في المستقبل لتقوي شخصيتك مثل الصبر والكرم والتمييز بين ما سيبقيك سعيدا حتى وسط الكبر في السن والمرض والانفصال وأثناء الموت.

وهكذا فلديك كل الحرية في أن تختار كيف تطور نفسك وتنتقي وتختار كيفما تشاء بما يضمن السعادة ودون أي ضرر أو أذى.

وبذلك تنمي مواقف جديدة تجاه أخطاء الماضي فتتعلم منها وحسب دون أن تحبس نفسك هناك. وترى في الحاضر فرصة للتعامل وبكل مهارة مع ما يطرأ وينشأ داخلك وحولك. وهكذا تواجه المستقبل بثقة أكبر فأنت تنمي مهارات لتتتعامل ما تحمله لك الأيام في جعبتها.

هذا نص تجريبي يمكنك تحرير اهلا وسهلا بك تم ترجمة هذه الاضافة بواسطة شركة تعريب لتعريب القوالب والمنصات البرمجية </ P>

من موقع  Asian Classics

https://www.asianclassicsinstitute.org/

أهمية فهم الكارما: “…فهذا العالم جاء مما قمنا به من أفعال، ومستقبلي سيأتي مما أقوم به الان.”

تعني الكارما الفعل. وقد تكون نقية أو سيئة، فما نقوم به من أفعال يخلق عالمنا. ونحن وعالمنا وكأننا في حالة مائعية أو صفحات بيضاء وأفعالنا تحدد ما نحن عليه. وكل شيء من الكارما: ما تحبه وتكرهه من أشياء، ما دق وما صغر.

سؤال: اذا كان مصدر الكارما الجهل والتعلق والتشبث بالأشياء، فمن أين أتى الجهل والتعلق؟ مالذي يولد الكارما؟

لايوجد بداية للذهن ولا نهاية، وهناك دائما موت قبل أول لحظة تعي فيها، وهناك حالات من التشويش عند الموت وهذه تحملها في ميلادك الجديد. ولا بداية أو نهاية للذهن وللأكوان فهي تأني وتذهب، وبذلك الذهن لا بداية ولا نهاية له وكذلك الكارما.

لا يمكننا القضاء على الذهن وإنهاؤه أو التخلص منه، لكن يمكننا أن ننقيه.

يمكننا التخلص من جهلنا والذي لا بداية له، ويمكننا التخلص من المعاناة التي لا بداية لها، فلايعني أنها لن تتغير لأنها كانت دائما كذلك، بل يمكن التخلص منها.

ونحتاج أن نتخلى عن جميع الأفكار وما كنا نعتقده عن هذا الكون من أجل فهم للكارما دون مؤثرات من اعتقاداتنا السابقة، فهذا العالم جاء مما قمنا به من أفعال، ومستقبلي سيأتي مما أقوم به الان.

وعندما نتحدث عن كارما الجسد وكارما الذهن وكارما الكلام أو ما نتلفظ به أو نتحدث به، فهي جميعا مصدرها الذهن. وحركة الذهن هي التي تحدث الكارما التي تدير الأشياء. والذهن في حركة دائمة، وتعتبر العواطف وظائف ذهنية مختلفة، وهي ترتبط بحركة الذهن. وحركة الذهن هي كارما الذهن، فعندما يتحرك الذهن، تنشأ كارما الذهن وهذه الحركة تدفعك لأن تقول مثلا نكتة سيئة وتجرح بها مشاعرشخص ما، أو تحرك ذراعيك أو تسرق شيئا أو تعطي شيئا أو تقتل أحدا، أو تحمي أحدا. لكن الدافع واحدا في الذهن. فكارما الذهن هي الدافع وراء كارما الجسد وكارما الكلام أو الأقوال. وهذه هي الطرق الثلاثة الوحيدة التي يمكننا بها التعبير عن أنفسنا: الفكر والقول والفعل. وهناك الكارما النقية الناشئة عن ذهن نقي والكارما الناشئة عن الذهن المضطرب والمشوش والسلبي. حتى عند الوصول للاستنارة تبقى هناك كارما وهي تسمى كارما نقية – وهذه حديثها يطول خارج حدود هذه المقالة.

ونعني بحركة الذهن وكما ورد في النصوص انتقال الذهن لموضوع اخر. وذهننا يخلق كارما في كل جزء من الألف من الثانية.