لماذا نخشى أن نكون طيبين ولطفاء؟

هذه دردشة بين استاذين في جامعة ناروبا الأمريكية وهي تعتمد الفلسفة البوذية في ما تقدمه من درجات أكاديمية خاصة في علم النفس. وهذه الدردشة بين الاستاذة جوديث براون والاستاذ غايلن فرغسن. قابلتهم أثناء بعض الدورات التي حصلت عليها هناك وهم أشخاص على درجة عالية من الفهم والدراية بالاضافة لشخصياتهم في غاية اللطف والتواضع. ويمكنك الاطلاع على الفيديو بالانجليزية في أسفل هذه الصفحة.

وأنقل هنا هذه الدردشة:

 

سؤال: في هذه الأيام يرى البعض أن ممارسة الرأفة (compassion) والطيبة (kindness) ضربا من الضعف أو الجُبن، أو أن اللطف هو أمر للفاشلين، وأننا نتصرف بلطف لأننا لا نستطيع الرد بالمثل أو أمرا من ذلك القبيل. هل هناك في التاريخ ما يفسر وصولنا لهذه الطرق من التفكير؟

يرى البعض أن فكرة الخطيئة المتأصلة فينا أو السوء المتأصل فينا هي دخيلة حتى على النصوص في الديانة المسيحية، فالمسيحية أثرت على الفكر الغربي، ونحن كثقافة غربية ركزنا على مطاهر الضعف والانحلال والسلبية والقسوة  في الانسان. لكن من أين جاءت هذه الاعتقادات؟

السؤال هنا هل هناك طبيعة انسانية وإذا كان هناك طبيعة انسانية، فهل هي سيئة فاسدة أو خاطئة؟ هل هناك مشكلة فينا؟ هل نحن سيئون وأنانيون وجشعون في طبيعتنا. وهناك أديان ركزت على الطبيعة الفاسدة، وهناك طبعا تأثيرات من توجهات علمانية مثلا الفيلسوف ثوماس هوبس الذي قال أن الطبيعة البشرية هي حرب الكل ضد الكل، شن الحروب والتنافس. ونشأ الكثير منا في مجتمعات تبث رسائل ونظرات لعالمنا على انه “كلاب تأكل بعضها”.

نعم أنا تربيت على مثل هذه المعتقدات ان عليك ان تحارب وتنافس في كل التفاصيل وأن تستغل كل فرصة اذا أردت أن تنجح، وأن هذا العالم يفتقر الى اللطف والطيبة، وأنه من الجيد أن تكون طيبا مع أفراد عائلتك والمقربين منك في عالمك لكن المنظومة الأكبر التي نعيش فيها هي قاسية.

لقد نشأت في بيئة ينبغي فيها أن تعمل بجد أكثر من الآخرين لأن هناك منافسة عالية جدا في هذا العالم، واعتماد عالي جدا على النفس، وأنه ينبغي أن تكون قادرا على الوقوف على قدميك. ولا يمكنك الاعتماد على الاخرين الذين لا يأبهون بك على أي حال، ومع انه قد يكون هناك بعض الفائدة في هذه الرسائل التي يبثها لنا المجتمع الا أنها تتركنا مكبلين وغرباء وكأن الفردية هي الأرض الوحيدة التي يمكن الوقوف عليها ومع ان مشاعر الرأفة والتعاون ووقوفنا إلى جانب بعضنا البعض كانت من القيم السائدة في الفلسفة اليونانية واليهودية والمسيحية، الا ان هذه الرأفة” الغريزية” انحسرت. وفي هذه الأيام أصبحت الطيبة واللطف أمرا نادرا ومذهلا عندما نراه وأصبح ما نعتاد عليه ونتوقعه من أنفسنا وما نظنه في طبيعتنا أنها أنانية، وبات اللطف أمرا استثنائيا وبطوليا وصرنا نقدر ونمجد من يطهرون هذه الصفات من الطيبة واللطف عندما نراها في الظروف الصعبة.

 وفي عالمنا المتخم بالمشاكل، نحتاج الى الطيبة واللطف كأساس لتعاملنا اليومي حتى ندرك الارتباط فيما بيننا وقدرتنا على انشاء مجتمع انساني بنّاء.

هناك الطيبة التي أراها من تجاربي الخاصة في التفاصيل اليومية البطولية مثلا في مترو الأنفاق في نيويورك و ليست تلك للقديسين والأبطال التاريخيين مثل الام تيريزا والقادة الاستثنائيين مثل نيلسون مانديلا. مثلا قد يجازف شخصا لانقاذ شخص وعندما نسأله لماذا قام بذلك يجيب انه كان مدفوعا فقط برغبة المساعدة وليس الظهور بمظهر البطل. وهذا منتشر ولا يطابق ما نظنه من ان الأفعال البطولية يجب ان تكون استثنائية وبطولية لنعدها مثالا على الطيبة واللطف، مثلا عندما يقدم لنا شخصا المساعدة في مدينة ما ويدلنا على الوجهة التي نبغيها، والسماح لمركبة بالمرور اثناء الازدحام المروري، هذه أمور نراها كثيرا، ومع ذلك نرى في كثير من الأحيان تصرفات ناشئة من الخوف والاعتداء والعنف.

لقد طلبت من طلابي في الجامعة أن يتأملوا وعلى مدى أسبوع في أمور بسيطة وعادية جدا تمثل اللطف والطيبة، مما يمرون به في حياتهم الاعتيادية، مثلا أن يقوم زميلك في السكن بجلي الصحون رغم أنه ليس دوره في ذلك اليوم بجلي الصحون، أو أن يسمح لك شخص بأن تأخذ دوره أثناء الصف هلى الدور في البقالة، وطلبت من الطلاب أن يصفوا مشاعرهم عند قبولهم وأثناء مواقف من الطيبة واللطف، وناقشنا أمرا في غاية البساطة وهو اللطف والطيبة التي يظهرها المشاة على الرصيف وذكر الطلاب كم من الصعب عليهم تقبل سلوك اللطافة والطيبة من المشاة على الرصيف، وأن يرحبو داخلهم بهذا السلوك الطيب تجاههم، وهذا يظهر لنا أمرين ملفتين وهما الكم الكبير من تصرفات الطيبة واللطف، وأيضا كم من الصعب أن نتقبل أننا نستحق هذه الطيبة واللطافة من الآخرين، وهذا يستحق منا التأمل والنظر، لماذ نجد صعوبة في تقبل وفهم اللطافة والطيبة؟ وكم هو مهم أن تقبلنا اللطف والطيبة كأمور أساسية في تطورنا كمجتمع بشري.

والآن ومن منظور تأملي وتفكري لندرك ومن تجاربنا اليومية ومما نخزنه من قصص في أجسامنا وعقولنا وأذهاننا وكيف تعيش فينا تلك القصص، فلنستكشف في داخلنا: متى أشعر بعدم الثقة عندما يتصرف شخص بلطف معي؟ وأحيانا أشعر ببعض عدم الارتياح فهل أنا الآن مدين لهذا الشخص الذي تصرف معي بلطف؟ فالموضوع ليس بهذه البساطة والانسياب والسهولة التي نظنها! ومن تجربتي مع جميع الثقافات، الكل يحب اللطف لكن كيف ومع ذلك فإننا نشعر بالتوتر أو عدم الارتياح أن يرانا الآخرون على أننا طيبين وأن ذلك قد يشعرنا أننا يمكن أن نُستغل بسبب هذه الطيبة، وان اظهار الرقة وربما بعض مظاهر نقاط ضعفنا أو عدم الأمان داخلنا قد لا يجعل الآخرين يأخذوننا على درجة من الجدية، ففي لقاءاتي في معتزلات التأمل، كثيرا ما يقول لي المشاركون كيف أنهم يخشون من إظهار طيبتهم ولطفهم حتى لا يستغلهم الاخرون. وأرى أن هذا نتيجة للتنشئة منذ الصغر بألا نظهر ضعفا أو براءة أو سذاجة وألا نظهر بمظهر الشخص الذي يمكن استغلاله. ولابد أن لهذا صداه وآثاره على ثقافتنا ككل.

لنعود لمشاعر الخوف من أننا قد نصبح مدينين لشخص فقط لتصرفه بلطف معنا، فنحن كثقافة غربية نركز على الفردية، والاعتماد الكامل على النفس ولذلك فان قبول اللطف من الاخرين يشعرنا وكأننا مدينين لهم وقد يمنعنا هذا من قبول أعمال الخير الموجهة لنا، ومع ذلك فان حياتنا مثل الشبكة المحبوكة بالكثير من مظاهر اللطف والطيبة، حتى الأمور البسيطة من اللطف التي نلاحظها في الشوارع وأثناء أزمة المرور، وما ان تلاحظ هذه الامور من اللطف تصدمك اعلانات وأخبار الصحف بعناوين الجرائم والعنف، وذلك لأنها تعتبر أمرا غير اعتيادي وهو لا يمثل الطبيعة البشرية المعتادة من الطيبة واللطافة، وعندما نبدأ بملاحظة وادراك كم تثير غضبنا تلك الأخبار وهو لأنها غريبة وليست من الطبيعة الحقيقة والجوهرية لنا كبشر، فالغريزة البشرية هي الطيبة، فالعائلة والمجتمع وأماكن العمل ما يبقيها متماسكة ليس نتاج ما يقوم به فرد واحد بل شبكات من المعلومات و طرق إدارة الاشياء، وهناك شيء من الثقة في داخلنا وليس ذلك الفرد الذي يمتلك مهارة ما بل مجموع المهارات التي تتواجد بارتباط مع غيرها. 

والان ندعو أعزاءنا المشاهدين أن يتأملوا في حياتهم العادية: ما هي مظاهر الطيبة في أمورنا الاعتيادية من حيث قبولها وتقديمها للاخرين. وما هي الأفكار التي تنشأ في ذهنك عندما ترى تصرفا من الطيبة واللطف. هل نفكر أين تعلمنا ذلك من المدرسة، أو من الاهل او الجيران أو الاصدقاء، من أين نشأت هذه القصة حول الطيبة،وكيف يمكن أن أدرك اللطف في كل ما حولي بدلا من جعله أمرا مثاليا مجردا، بدلا من أن تمر دون أن ألحظها، وأن أنتقل لمرحلة التقدير لهذه الشبكة التي نسبح فيها جميعا والتي تربطنا جميعا.