(الرجاء الاطلاع على الأجزاء السابقة للتمكن من متابعة هذا الجزء)

 

الجزء الثالث - من تاريخ المعلمين البوذيين في التبت

ماربا Marpa  1012- 1096

 

يمثل ماربا شخصية مختلفة عن تيلوبا الذي كان يوغيا متجولا في غابات شمال شرق الهند وناروبا العلامة المعروف الذي تخلى عن ما ناله من منصب. ولد ماربا في جنوب التبت لعائلة في مستوى جيد وفي صغره عُرف عنه بأنه صاحب طبع حاد وعنيف وعنيد ويثير الخوف. وأرسله والداه ليتدرب على الدارما على يد عدد من المعلمين، وأدرك ماربا أن عليه تقديم الكثير من العطايا للمعلمين للحصول على تعاليم ومعلمي التبت بطبعهم غيورين على ما لديهم من تعاليم وقد صده كثير من المعلمين عندما طلب تعاليما متقدمة. فقرر ماربا ونظرا لعدم قدرته على تقديم العطايا في نهاية المطاف أنه من أجل الالمام بالدارما عليه أن يشد رحاله إلى الهند. ولم يواجه أي اعتراض من والديه وانطلق في رحلته عبر جبال الهيمالايا في رحلة تشوبها الكثير من المخاطر. وبينما كان في نيبال قبل النزول لأراضي الهند السهلية سمع باسم سِداsidha أي معلم روحاني عظيم يدعى ناروبا. وشعر وكما ورد في سيرة حياته “بارتباط معه ومن حياة سابقة أوقظ فيه حنينا شديدا للقاء به”. ومع أن من عاصره من طلاب العلم من التبت سيوجهوا مسيرهم نحو أديرة الهند لتلقي التعاليم إلا أن ماربا قرر السعي وراء معلمه في الغابات وعثر ماربا على معلمه ناروبا وتلقى منه التعاليم مدة 12 سنة وتلقى كذلك تعاليما من معلمين سِدات آخرين ممن أرسله ناروبا اليهم، ومن أهمهم مايتربا  Mitripa   الذي علمه الماهامودرا Mhamudra . ومع نهاية هذه الفترة من تلقي التعاليم يقرر ماربا أن يعود للتبت والزواج من سيدة من التبت بمواهب روحانية اسمها دميما، وبدأ يعلم وقرر أن يعيش كمزارع موسر الحال. ثم عاد للهند للمرة الثانية وتعلم مدة ست سنوات، وبناء على طلب ناروبا توجب على ماربا العودة مرة ثانية للهند لاحقا لاكمال تدريباته. ولدى عودته للتبت جمع حوله مجموعة من التلامذة المقربين خاصة ميلاربا  Milarepa الذي عهد اليه لاحقل بنقل جميع تعاليمه في الدارما.

ثم يعود ماربا للهند في رحلته الثالثة رغم الاعتراضات الشديدة لعائلته. ولكن في هذه الرحلة اختلف عليه الأمر ففي هذه المرة كان هناك الكثير من تجارب الكرب والألم والوحدة والتي غالبا ما تميز ما يمر به طلاب التانترا مع معلميم. ويبحث في كل مكان عن ناروبا دون أن يعثر عليه الى أن أخبره أحد تلاميذ ناروبا أنه اختفى في الغابات واتخذ مسارا مجهولا وأنه مهما سيبحث عنه فلن يجده. وبعد المزيد من البحث يفقد ماربا الأمل في لقاء معلمه وعندها يظهر معلمه ويتواصل المعلم وتلميذه دون أي حواجز. وقضى ماربا 3 سنوات مع معلمه ثم عاد ليعلم في التبت.

والآن ما يؤلم قلب ماربا أنه من بين أبنائه السبعة لا أحد منهم يتمتع بمواهب خاصة في مساعدة الآخرين سوى ابن واحد ويحب ماربا هذا الابن – والذي يدعى تارما دود Tarma Dode – – حبا كبيرا ويعلق عليه آمالا كبيرة في نقل التعاليم. لكن ناروبا تنبأ أن هناك عائقا كبيرا وأن على تارما أن يلتزم بمعتزل صارم ويكمل عددا من ترديدات المانترا، وبالفعل دخل تارما في معتزل لكن عندما وصل الى منتصف المدة علم أن هناك احتفالا كبيرا في المنطقة التي هو فيها فرأى أنه  كان يشعر بالملل والوحدة في معتزله وأنه لا يريد أن يضيع شبابه في هذه الطريقة. ويقرر أن يقطع معتزله فيأخذ حصانا ويتوجه نحو الاحتفال لكن يفاجئه طائر الحجل الذي يجفل حصانه فيسقط ماربا على الأرض لكن قدمه بقيت في ركاب الفرس فيجر الفرس ماربا وتنكسر جمجمته، ثم يتمكن ميلاريبا من ايقاف الحصان ويحمل باكيا أشلاء رأس صديقه. ويحمل ماربا بعظيم من الحزن والألم جسد ابنه مدركا أن إصابته قاتلة. ويعود وعي الابن فترة قصيرة وعبر عن أساه لأنه لن يستطيع رد فضل والديه عليه بل وأنه سيتسبب لهما بمزيد من الألم، يقوم بطقس يسمى بوا phowa  وهو بتوجيه الوعي خارج الجسد عند الموت. ويوجه وعيه نحو حمامة. وفي أثناء طقوس حرق الجثة تحاول امه بقلبها المفجوع أن ترمي بنفسها في ركام الحطب لكن يحول التلاميذ بينها وبين القيام بذلك.

ويُذكر في سيرة حياة ماربا أن الحمامة طارت للهند حيث يدخل وعيه في جسد طفل من البراهما قد مات لتوه وهو يدعى تيلوبا Tiphupa الذي يعود للحياة ويخبر والداه بمن هو  وقد تعلم على يده لاحقا أحد تلاميذ ماربا.

ويستمر ماربا في تعليم تلاميذه ويحمل التعاليم تلميذه ميلاريبا. وعندما يبلغ ماربا 88 عاما كان في حالة من البهجة والصحة البدنية وظهر قوس قزح في السماء وأمطرت أزهارا وسمعت ألحان جميلة وانتشر عبق البخور من كل الأنواع. فابتسم ماربا وذرف الدموع وعندما سأله أحد التلاميذ عما يحدث قال:” أعدوا المنح والعطايا فناروبا العظيم قد جاء بصحبة عدد لا يحصى من الداكا والداكيني كما وعد لأكون صاحبه وخادمه في عوالم الهناء.” وتوفي حينئذ ماربا.

وكما يذكر مؤرخ سيرة حياة ماربا أنه أنه “كان شمس تعاليم بوذا وأنه أزاح العتمة عن بلاد الثلج أي التبت، وكان شجرة حياة للتعاليم”. كان ماربا شخصية استثنائية لأنه كان كان يبدو انسانا عاديا جدا، مزارع بعائلة كبيرة ومسؤليات كبيرة أيضا ومزاجا حادا ليخففه، ومع ذلك كان مدركا للحقيقة وحقق “النور الداخلي وتمرّس في ضبط ذهنه”. وكان يظهر وكأنه مثل غيره في هذا العالم تمتع بحواسه ومتع هذا العالم المادي. فنفع الكثيرين من خلال عدد من الناقلات القيّمة.

ويطلق على ماربا: “ماربا المترجم” نظرا لما ترجمه من النصوص الهندية للغة التبت. وقد أدخل نوعا جديدا من النظم الشعري يسمى دوها doha أي أغاني ادراك الحقيقة للفاجريانا الهندية.

لم يتدرب ماربا على الدارما كراهب أو يوغي لكن كشخص عادي وعاش حياة عادية في هذا العالم من الآلام والمسرات التي تعيشها كل البيوت وأصبحت هذه ناقلات له في مساره الروحاني. ويضرب ماربا مثلا لمن يمارس البوذية في العصر الحديث حيث أنه مارس تعاليم التانترا بينما كان يعيش حياة عادية مثل الجميع ولم يكن راهبا أو يوغيا في الغابات. فاستطاع الجمع بين التعلم والتدرب وبين حياة رب الأسرة والمُزارع.

ميلاريبا  Milarepa 1123 – 1040

أعظم اليوغيين في التبت

مدرسة الكاغيو Kagyu

 

تُظهر معظم السير التي تسرد قصص “القديسين” في التبت على نحو يفوق المستوى البشري المعهود ومنذ فترات مبكرة في حياتهم، وأنهم ترعرعوا وسط العجائب وكل مرحلة في حياتهم ترُسم بريشة الاستثنائية  وتهيئهم للعظمة. ويصبح وصولهم للاستنارة أمرا يمكن استنتاجه بالبداهة. وهذا يولد الانطباع للكثير منا أن الوصول للاستنارة الكاملة خلال هذه الحياة صعب المنال.

لكن حياة ميلاريبا تقدم لنا مثالا استثنائيا لما سبق.

تعتبرسيرة حياة ميلاريبا التي يسردها بضمير المتكلم من أكثر السير والقصص المحببة لدى أهل التبت. كيف لا وهي تظهر لنا  أنه بإمكان أي انسان عادي أن يصبو لأسمى الغايات. وميلاريبا لم يكن في بداية حياته مجرد شخص عادي بل كان مشوشا وفي غياب التوجيه لم يكن هناك شيء ليوقفه عن ممارساته الهدّامة جدا.

ولد ميلاريبا في جنوب التبت، وفي طفولته عاش في ظل دفئ وعز والديه، لكن العائلة تفجع بوفاة الأب، وعندها وبكل ما في العم وزوجته من نوايا هدامة يقررون أن يصبحوا أوصياء على جميع ممتلكات العائلة. وأصبح ميلاريبا وأمه وأخته عبيدا عند هذا العم وزوجته. ويصف ميلاريبا كيف أن أجسامهم ضمرت وهزلت من قلة الأكل وعناء العمل عند هذا العم. وعندما صارت الوصاية الى نهاية أجلها، زوّر العم وعائبته الوثيقة الاصلية ألتي توصي بعودة الأموال إلى ميلاريبا وأمه وأخته. وعندها امتلأت أم ميلاريبا بالكره والغيظ وتملكتها الرغبة في الانتقام. فتأتي بخطة للانتقام لعائلتها. فتقرر ان ترسل ابنها ليتعلم السحر الاسود عند معلم بارع لينتقم من عمه. وميلاريبا الفتى المطيع والذي يشعر بواجبه تجاه أمه يذعن لطلبها. وخلال سنة يتعلم  ميلاريبا الممارسات الهدامة، وتأتي اللحظة ليهم بانتقامه ويقوم بطقوسه، وبعد اسبوعين يتحقق ما أراده: أشلاء وأجسادا نازفة ل35 شخص، ولم يبق أحد على قيد الحياة سوى العم والعمة أبقى عليهما ميلاريبا ليروا بعيونهم انتقامه وعدله. وكان هذا كافيا ليشفي غل أمه. وتبدأ الكارما عملها مباشرة (لكل فعل رد فعل) يبدأ أهالي القرية التخطيط للنيل من ميلاريبا وقتله فهو الان مكروه ومرهوب. ولم يكن منه لاتقاء عدوانهم سوى التهديد بمزيد من الدمار. ثم يدرك ميلاريبيا فجاعة ما قام به وأن تبعات الكارما لأفعاله جسيمة، فهو يعلم أن عواقب القتل تؤدي إلى اعادة ميلاد القاتل في عوالم الألم القصوى أحقابا ودهورا، وهو لم يقتل شخصا واحدا بل 35 شخصا. وصرح معلم ميلاريبا عن ندمه لما حدث وقرر السعي في تعلم الدارما عل ذلك يخلصه من العواقب الجسيمة لفعلته. وكذلك ميلاريبا أيضا يدرك أن السبيل الوحيد حتى لا يعد ميلاده في عالم من الألم أن ينقي نفسه.ويجول ميلاريبا في ريف التبت باحثا عن معلم، ويلتقي في طريقه لاما (أي معلم) يقترح عليه المعلم ماربا المترجم، ويقول ميلاريبا في سيرته أنه” ما سمعت باسم ماربا المترجم حتى امتلأت سعادة لا توصف، اقشعر لها جميع جسمي، وتنهدت بعشق متقد . وأخليت ذهني إلا من فكرة واحدة … متى؟ متى أقابل المعلم؟”

وأخيرا يجد ميلاريبا معلمه ماربا يحرث حقلا بجانب بيته. وكان ماربا وزوجته دميما قد رأو العديد من الرؤى حول وصول تلميذ مهم.  وعندما قدم ميلاريبا واعترف بكل ما تسبب به من أمور هدامة من خلال سحره الأسود. ويتوسل له أن يمنحه تعاليما. فيجعل منه ماربا عاملا مَهينا.

ويعامل ماربا ميلاريبا على نحو   يخلو من المنطق لما فيه من القسوة وتطلُب الكثير الكثير. ويطلق ماربا على ميلاريبا لقب “الساحر العظيم” استهزاءا. وتزداد الامور صعوبة إلى أن يؤمر ميلاريبا ببناء برج لماربا وبعد أن أكمله ميلاريبا، كان ماربا قد غير رأيه وطلب منه أن يهدمه ويبني غيره في موقع آخر. وتكرر هذا أربع مرات. ويعده ماربا في كل مرة ان هو أتم عمله أن يحصل على التعاليم لكنه يتراجع عن وعده في كل مرة يتم فيها ميلاريبا  أي مهمة. وصارت الأشهر سنوات ولم يُمنح ملاريبا أيا مما يصبو إليه من تعاليم مع أنها كانت تمنح لمن كان هناك من تلاميذ.

وزادت متطلبات ماربا وأصيب ميلاريبا باحباط شديد ومزاج سوداوي لدرجة أنه حاول الهروب عددا من المرات لكنه يعود فلا ملاذ له سوى هذا المكان. لكن دميما كانت دائما تظهر له محبة ولطفا. وأخيرا لم يعد ميلاريبا قادرا على التحمل وظن في قرارة نفسه أن الكارما التي ولّدها في هذه الحياة من السواد والقتامة بحيث  ستحول بينه وبين الحصول على أي تعاليم. ويقرر أن الحل الوحيد هو أن يقتل نفسه ويمنعه التلاميذ من القيام بذلك ويبقوا معه خشية أن يفعل فعلته.

وماربا كان قد ذرف الدموع على ميلاريبا في  السر أمام وزجته لأنه يحبه، لكن المسار الذي يتوق اليه ميلاريبا يتطلب ذلك. ويقوم ماربا بدعوة جميع التلاميذ للحضور بما فيهم ميلاريبا – الذي ظن أن هذه المرة مثل سابقتها ولن يواجه سوى التهجم والزجر فقرر ألا يلبي الدعوة – لكن ماربا ذكر أن الأمر اختلف الان وطلب أن يكون ميلاريبا ضيف الحضور.

وحضر ميلاريبا متوجسا خشية ألا يلاقي ما يخشاه لكن ماربا ولأول مرة يتحدث عن حبه لميلاريبا وعن المسار الروحاني الذي سيسلكه ميلاريبا وعن اخلاصه وتوقه، وختم قوله: “سأقدم لك التعاليم والتي هي أعز علي من قلبي، سأقدم لك الزوادة وأساعدك أن تقوم بتدريبات التأمل وأن تصير مسرورا.” وكان يظن ميلاريبا طوال الوقت أنه يحلم وأنه لا يريد أن يستيقظ من هذا الحلم. وقال له ماربا:” يا بني لقد رأيت رؤيا أنك سوف تخدم تعاليم بوذا …”

انحنى التلاميذ بمن فيهم ميلاريبا للمعلم ماربا حبا وإكبارا لمهاراته وحكمته في قبول تلاميذه.

ويحصل ميلاريبا على التعاليم التى تاق لها سنينا ويدخل في معتزل في كهف في الجبال ليمارس تلك التعاليم. وليس عليه سوى لباس من القطن الأبيض ولذلك سمي ميلا ذو اللباس من القطن الأبيض – ميلاريبا. وكان يحصل على اليسير من الطعام من القرى المجاورة مما يجود به أهل القرية وفي الشتاء تعزله الثلوج عن أي اتصال بالناس.

وينتشر صيت ميلاريبا ويأتيه الناس من العديد من الأماكن. وينما كان البعض يحبه ويلقوا نذور الرهبنة ليصيروا تلاميذا له، كان بعض العلماء والرهبان ينظرون اليه بعين الغيرة وعين الشك.

وجمع حوله مجموعة من التلاميذ المقربين الذين كانوا يرتدون رداء واحدا من القطن الأبيض مثله، ويطلبون الطعام من القرى ويقضون معظم وقتهم في التأمل.

وتوفي ميلاريبا عن عمر 84 الذي قضى معظم عمره  في أماكن منعزلة يتأمل في الليل والنهار. ومن مؤلفاته: The Hundred Thousand Songs of Milarepa

وكان ميلاريبا مصدرا للتعاليم التي أثرت على معظم ثقافة التبت.

 

تلقى ميلاريبا نبوءة أنه سيكون له تلميذان: ريتشونغبا Rechungpa والذي سيكون بمثابة القمر في حمل التعاليم وغمبوبا Gampopa  بمثابة الشمس.

ريتشونغبا Rechungpa

بينما كان ريتشونغبا صغيرا توفي والده وأدى هذا إلى معاناة كبيرة للعائلة بأكملها، كان ريتشونغبا بارعا في قراءة النصوص وقراءتها في البيوت مقابل عطايا. ومرة عندما كان في الحادية عشر من عمره رأى مجموعة من الناس مجموعة عند كهف ويجد هناك ميلاريبا يغني أحد أغانيه في ادراك الحقيقة. ويشعر بقوة نحو هذا المعلم وأخبره بصعوبات حياته ومآسيه في هذه الحياة، وتحدث ميلاريبا اليه بلطف حول آلامه السابقة ثم لقاءه بمعلمه ماربا والبهجة والسعادة التي تلت ذلك في ممارسته لتعاليم الدارما. ورأى ريتشونغبا في ميلاريبا أبا ومُرشدا روحيا وموجها. وقرر ريتشونغبا ألا يعود ويبقى مع ميلاريبا ويأخذ معه الملجأ وعهود البوديساتفا وتعاليم الفاجرايانا ويبدأ في التدرب. وكان رد فعل أمه وعمه بالغضب الشديد بسبب تتلمذه على يد ميلاريبا وقاموا باختطافه وربطوه وجروه إلى البيت. ولم يعودوا يثقوا به في قراءة النصوص، وأجبروه على العمل بالحقول. وكان هذا عملا مجهدا ومروعا بالنسبة لصغر سنه، ويصاب بالجذام فقامت أمه وعمه بطرده من البيت. فيعود لمعلمه ميلاريبا ويبدأ بالدراسة معه بجدية. وقد دله مجموعة من اليوغيين الهنود الذين جاءوا لزيارة ميلاريبا بأن ن هناك معلما في الهند يقدم تدريبات وتعاليم سيجعله يتخلص من مرض الجذام. فيستأذن ريتشونغبا معلمه في الذهاب الى الهند ويذهب بالفعل في رحلة طويلة رغم مرضه، وتتكلل رحلته بالنجاح اذ التقى بذلك المعلم وحصل على تعاليم وشفي من داء الجذام وعاد إلى التبت حيث عزم على البقاء مع ميلاريبا والتدرب من كل قلبه إلى أن يصل لإدراك الحقيقة، ورغم أن أمه وعمه حاولوا التدخل لكنهم كانو يخافو من ميلاريبا (ظنا منهم انه ما زال يمارس السحر وأنه قد يؤذيهم).

واتبع اسلوب حياة التأمل في أماكن منعزلة في البرية، وكان يحصل على طعامه من عطايا الناس، وبدأ يتدرب على “الطعم الواحد” “single taste” أي أنه ينظر بعين المساواة لكل معط سواء كان كريما أو عدائيا. أي ينظر للاثنين دون تمييز في ذهنه. فعند طلب الطعام قد يُواجه اليوغي الطالب للطعام بالاحسان والكرم وربما يلقى ترحيبا من الناس ويمنحوه مبيتا ومكانا له ليقدم فيه التعاليم، أو قد يزجروه أو حتى يضربوه، وحتى يصل المتدرب للحقيقة من الضروري التعامل مع كل تلك المواقف  – سواء من زجر او كرم – على أنها بطعم واحد.

ومع أن ريتشونغبا كان في بعض الاحيان متدربا متحمسا في التأمل إلا أنه كان يعاني من تقلبات في تدريبه فاحيانا كان يصيبه غرور بسبب تجاربه الروحانية، ولذلك حذره ميلاريبا مرة من عوائق على الطريق بسبب غروره وأن يهبط ذهنه إلى حالات أدنى وأقل صفاء بسبب ذلك، لكن ريتشونغبا رد عليه أن ذلك لن يضره وأنه مثل ” السمك في الماء فلا يخشى الموج …” وأدرك ميلاريبا أن في  هذا الرد “عجرفة روحية ” وأنها تشكل عائقا كبيرا.

وعانى ريتشونغبا من بعض التشويش حول الأولويات في مساره الروحاني، ففي مرة تعرض فيها ميلاريبا تهجم من علماء رهبان وانزعج ريتشونغبا من أن ميلاريبا لم يتعلم أساليب المناظرة ليرد عليهم بمثل منطقهم. فقرر الذهاب للهند وتعلم المنطق للرد عليهم، ورغم أن هذا يبدو هدفا نبيلا إلا أنه من وجهة نظر ميلاريبا فإن ريتشونغبا أخطأ في فهم المقصود، فقال له “لا تذهب للهند لتعلم المنطق فهذا أسلوب تفكير من نمط هذا العالَم ولن تلم به تماما … ولن يوصلك هذا العلم للاستنارة”. لكن ميلاريبا أذن لريتشونغبا بالسفر للهند لكن ليس لدراسة المنطق بل للحصول على تعاليم في التانترا ليكمل بها ما حصل عليه من تعاليم من معلم ماربا.

ومع أن ريتشونغبا مخلص لمعلمه إلا أن ذلك كان يتلاشى أحيانا. فبعدما عاد من الهند ومعه نصوص التانترا فامتلأ غرورا وكِبرا وظن أن ميلاريبا سوف يعامله هذه المرة معاملة خاصة ويُبجله، وأدرك ميلاريبا الكِبر الذي ملأ ريتشونغبا، فتصرف بشكل صدمه تماما: قام بحرق ما جاء به من نصوص بينما كان بعيدا عن المعتزل وهذا أثار غضبا واستياء من طرف ريتشونغبا تجاه معلمه لكن  نظرا لما لدى ميلاريبا من حب وشفقة تجاه تلميذه، ترفق ريتشونغبا ولان.

ومع كل هذه التقلبات ثابر ريتشونغبا في مساره وتدريباته ونال مراحل كثيرة في إدراك الحقيقة. واستأذن معلمه في الذهاب لوسط التبت يتأمل في الكهوف ويرتدي الرث من الملابس، يقدم التعاليم ويجمع حوله تلاميذ كثر. وأحيانا كان يخفي هويته عند ترحاله خاصة مع ذيوع صيته وصيت معلمه – ولم يكن يظهر هويته لتجنب الانتباه والشهرة فغايته مثل غاية معلمه وهي التقليل من المشتتات والتركيز على التأمل والتدريب. وفي وسط التبت يلاقي ريتشونغبا من يحترمه ويقدره وكذلك من يحاول السيطرة عليه والتأثير عليه ليلبي توقعاتهم فكان يُلاقى حتى بالانتقاد والضرب عندما لم يكن يستجيب لهم. وهو مثل معلمه لديه صعوبات مع الرهبنة التقليدية لأنها لا تتقبل اسلوب حياته أو ما يحمله من تعاليم للدارما. وفي مرة واجهه رهبان في مدينة لاسا Lhasa من شدة غيرتهم وقالوا كيف يمكن للناس أن يأخذوا تعاليما من معلم لا يلتزم بنذور وعهود الرهبنة  مثلهم. ولم يكن من ريتشونغبا إلا أن قال:” هكذا يمشي من لا يلتزم بالعهود.” وبدأ يمشي على الماء ومشى عبر الجدران، وما كان من الرهبان عندها ومما رأوا الا أن أخذوا منه التعاليم ودخلوا معه في معتزلات ونالوا مراحل في ادراك الحقيقة.

وانتقد ريتشونغبا اليوغيين الذين يرون في الدارما فرصة للتجوال وأخذ العطايا من الناس، ويعيشون حياة سهلة. فهم يأكلون ما يشاؤون ويتصرفون كيفما شاؤوا، وكان يقول “نعم إن حياة اليوغي حياة سعيدة لكن لابد له  أولا من التدرب على الدارما، فإذا تشتت المرء عن التدرب على الدارما فإنه لا معنى لأي شيء يقوم به. ولابد من الانتباه في التدرب على الدارما فحياة اليوغي في واقع الأمر ليست حقا بتلك السهولة.

وقد ساهم ما قضاه من وقت في التبت بأن نقى الكثير من العوائق التي كانت تحول بينه وبين معلمه. وعندما عاد استقبله ميلاريبا بالكثير من الحب والشفقة والثقة، ويمنحه التعاليم الختامية، وأنه بذلك يمكنه التجوال من مكان لآخر لأنه بذلك سينفع الكثيرين مما سيقدمه من تعاليم. ثم قال  ميلاريبا لريتشونغبا أنه سيمنحه تعليما لم يمنحه إياه من قبل، فكشف عن مؤخرته حيث صار جلدها سميكا وصلبا بسبب تدربه على التأمل من خلال الجلوس على حجر وقال له أنه بحاجة لمثل هذا الشكل من الاجتهاد والمثابرة في التدرب والتأمل.

وكما جاء في النبوءة فإنه عند وفاة ريتشونغبا لم يبق له أثر فقد اختفى متحولا لما يسمى ب “جسد قوس قزح” Rainbow body وهذا يعكس ما وصل له من ادراك عظيم للحقيقة. وهذه السلسلة من المعلمين والتي انبثقت من هؤلاء المعلمين لم تأخذ شكلا مؤسسيا وهي تسمى “سلسلة التعاليم الشفهية لريتشونغبا”. وجاء من هذه السلسلة 13 تلميذا حققوا مراحل عالية في ادراك الحقيقة ومنهم امرأة تدربت باجتهاد ومثابرة ولم تترك أثرا لجسدها عند وفاتها. وفي فترة الغزو الصيني للتبت في عام 1949 كانت هناك تقليد اسمه  togdenmas  وهي سلسلة من المتدربات من النساء اليوغيات واللاتي عرفن بمراحل عليا في ادراك الحقيقة وتمتعن بقوى استثنائية وقد تطورت هذه التدريبات للمتدربات من النساء من خلال ريتشونغبا والذي يُنظر اليه على أنه المؤسس لهذه السلسلة.

غامبوبا Gampopa (مولود عام 1079 ميلادي)

يعتبر غامبوبا من أكثر تلامذة ميلاريبا تأثيرا من حيث إعطاء الكاغيو شكلها المؤسسي. تزوج وهو في مطلع شبابه وأنجب ولدا، لكن عندما كان في التاسعة والعشرين اكتسح وباء الطاعون المنطقة التي كان يسكن فيها مع عائلته الصغيرة تاركا غمبوبا منفطر القلب لفقدان زوجته وابنه، باحثا عن نظرة وفهم جديد للموت ومدركا أن السعي وراء السعادة العادية في هذا العالم مآلها الفشل. فيقرر نبذ العالم ودخول حياة الرهبنة.

سلك غمبوبا في مساره الروحاني تقاليد العلامة أتيشا ضمن مدرسة كادم  – والتي سبق وأن تحدثنا عنها. وبدأ باتباع مبادىء الرهبنة (الفينايا) ودراسة التقاليد البوذية المختلفة دراسة أكاديمية بالاضافة لتدريبات التأمل. وفي أحد المرات وبعدما خرج يوما من معتزل له في الدير وبينما كان يسير على أرض الدير إذ بثلاثة متسولين يتحدثون فيما بينهم حول رغبات كل منهم: أحدهم كان يحلم بالكثير من الطعام والشراب، بينما الثاني كان يحلم أن يصير ملكا لكن الثالث قال أن المُلك والسعادة المادية لابد أن يكون لها نهاية لكن:” إذا أراد المرء أن يتمتنى فليتمنى أن يصبح مثل اليوغي العظيم ميلاريبا الذي لا يحتاج ملابس أوطعاما بشريا فهو يشرب الرحيق من الداكيني ويعتلي الأسد الجبلي ويحلق في السماء. ذلك حقا لأمر من العجائب.”

وما ان سمع غمبوبا باسم ميلاريبا حتى وقف شعر رأسه وذرفت الدموع من عينيه ونشأ توق في ذهنه لم يشعر به من قبل. وحاول العودة مرة ثانية للمعتزل ليكمل تأمله لكن ذهنه الآن مولعا بالتفكير في اليوغي والمعلم ميلاريبا، فيعود ويسأل المتسولين الثلاثة عن مكان ميلاريبا فيدلونه على مكانه في منطقة جبلية غربي التبت حيث ميلاريبا في معتزل له هناك. وما كان من غمبوبا إلا أن باع قطعة الأرض التي كانت بحوزته مقابل أوقية من الذهب. وكما ذكر كالو رينبوتشي Kalu Rinpoche ” ذكر ميلاريبا بينما كان يحيط به تلاميذه أثناء تلقيهم التعاليم منه أن راهبا عظيما سينضم إليهم بعد بضعة أيام وأنه بوديساتفا حقيقي قادم من الجنوب … وأن من سيساعده ويعينه عند قدومه سيكون ذلك عونا له في مساره في تحقيق الاستنارة.” وعندما وصل غمبوبا لقي امرأة في طريقه وسألها عن ميلاريبا فذكرت له أنه لابد وأنه الراهب والبوديساتفا العطيم الذي تنبأ ميلاريبا بقدومه. وعندها ملأه الفخر والغرور أنه ولابد أنه شخص عظيم وإلا لما قال ميلاريبا بهذه النبوءة. ونظرا لما يتمتع به ميلاريبا كمعلم ويوغي عظيم من معارف ومواهب استثنائية أدرك الحالة الذهنية التي كان فيها غمبوبا من الغرور والكِبر، فقرر أن يتركه اسبوعين في متكأه قبل أن يطلب منه أن يقدم بعض التعاليم مع أنه كان راهبا نبيلا – وميلاريبا إذ قام بذلك انما قام به حتى يفقأ فقاعة الكبر والغرور عند غامبوبا وبعدها دعاه للحديث امام التلاميذ. وقضى غمبوبا وقتا طويلا جدا مع ميلاريبا حيث حصل على التعاليم وتدرب عليها  وفهمها فهما عميقا لها ثم وصل الاستنارة.

وقد ضم مسار غمبوبا الالتزام الصارم لتعاليم الرهبنة والتدريب والاعداد الأكاديمي العالي ثم التأمل كيوغي في معتزل في أماكن نائية. فبنى ديرا حيث كان معظم تلاميذه الرئيسيين رهبانا.

ومن أحد هؤلاء التلاميذ لغمبوبا تلميذه توسوم كينبا  (Tusum Khenpa (1110- 1193 الذي أخذ عهود الرهبنة وبنى ثلاثة أديرة في مدينتي لاسا وكام Kham . وكان لأحد تلاميذ توسوم تلميذا يسمى كارما باكشي Karma Pakshi وأعلن أنه حسب مبدأ إعادة الميلاد – على أنه أول إعادة ميلاد للمعلم توسوم (بعد وفاته) وهذا ما يطلق عليه بلغة التبت تُلكو tulku وهو اعادة ميلاد لمعلم من سلسلة معلمين  ويتم تدريبهم بشكل مكثف ليقوموا بدور التلكو. وأُعلن أنه أول كارمابا وأُعلن أن الكارمابا الأول بأثر رجعي هو توسوم. ومع الكارمابا الثاني حظي تقليد كارما كاغيو بالقوة والمكانة العالية ومن بعض دواعي ذلك علاقة هذا الكارمابا مع المغول وأنه أصبح المعلم لكل من مونغكا خان Mongka Khan وقوبلاي خان Kublai Khan.

وعُرف عن الكارمابا الثالث وهو رانجونغ دورجي (1284 – Rangjung Dorje  (1339)  تدريباته العظيمة ودمج التعاليم العليا للماهامودرا Mahamudra لمدرسة الكاغيو مع تعاليم الدزوغتشن Dzogchen لمدرسة نيغما. وهذا الدمج بين هذه التعاليم العليا يعتبر علامة مميزة لسلسة المعلمين في الكاغيو. بالإضافة لما حصل عليه من تعاليم من ميلاريبا وغمبوبا فقد درس الدزوغتشن على يد ريغدزن كومارادزا Rigdzin Kumaradza وهو من أعظم المعلمين في عصره وهو معلم  اللاما الكبير في مدرسة النيغما لونغتشينبا. وقد استمرت سلسلة الكارمابا إلى يومنا هذا حيث الكارمابا الحالي هو الكارمابا السابع عشر أوغين ترينلي دورجي Ogyen Trinley Dorj هو على رأس مدرسة كارما كاغيو.

في العصر الحالي هناك توجهان رئيسيان يمثلان بوذية التبت وهما: غيلوك Geluk وحركة Ri-me  أو الحركة غير الطائفية التي نشأت في القرن التاسع عشر. وهما يمثلان التوجهات البوذية في شكلها المعاصر والتي تعود في أصولها وجذورها إلى البوذية الهندية.

كما مر سابقا معنا أن مدرسة الغيلوك نشأت في القرن الرابع عشر على يد سونغابا، وتحمل الغيلوك تعاليم المعلم أتيشا التي تؤكد على أمرين أساسيين في المسار الروحاني وهما: الالتزام بحياة ومبادئ الرهبنة والعلم والمعرفة. ومن حيث الموقع الجغرافي ينتشر المدرسة في في الوسط والوسط الغربي في التبت.

 

سونغابا 1357 – 1419

مدرسة غيلوك

ولد سونغابا في مقاطعة أمدو Amdo  شمال شرقي التبت، وتذكر سيرته أن ميلاده صاحبته علامات وبشائر، فقد رأى والده في المنام أن راهبا قد زاره من جبل مقدس في الصين، جبل ما نجشري Mangushri  وهو بوديساتفا الحكمة. وقد فهم هذا على أن المولود سونغابا سيكون علامة عظيما وأنه من فيض مانجشري أي استمرار للتيار الذهني النقي لهذا البوديساتفا Manjushri Emanation. وأخذ عهود الرهبنة في عمر الثالثة على يد الكارمابا الرابع ومنذ صغره أظهر نبوغا في العلم، وبدأ الترحال في التبت للحصول على العلم من مختلف الأديرة والمعلمين المعروفين. وتميز بقدرة عالية على الحفظ والفهم السريع. وفي عمر الثالثة والثلاثين توقف عن الدراسة الاكاديمية ودخل في معتزل وبدأ بالتدرب على التانترا تدريبا مكثفا. وفيما تلى ذلك من سنوات وصل لدرجات من الصفاء والنقاء الذهني فنال سلسلة من الالهام والتجليات من التيار الذهني النقي لمانجشرى بوديساتفا الحكمة.

وقد قرر أن تكون مهمته القيام بالاصلاح خاصة  مع ما اعترى حياة الرهبان من كسل وتراخ والحياة العلمية من اهمال وتشويش. وبذلك تضمنت منهاج الغيلوك مايلي:

  1. دراسة سوترات الماهايانا خاصة براجناباراميتا Prajnaparamita أي اكتمالات الحكمة.
  2. دراسة فلسفة المادياميكا
  3. دراسة علم المعرفة وأدوات المعرفة والمنطق
  4. دراسة الأبهيدارما Abhidharma – وهو كما يشر اليه بعض الغربيين بعلم النفس البوذي والفلسفة البوذية (من حيث تحليل الذهن وحالاته).
  5. الفينايا أي مبادئ الالتزام في الرهبنة.

 

وتبنت جامعات ومعاهد الرهبنة  (shedra) وغيرها هذه المواضيع الخمسة مع اختلاف النصوص المستخدمة.

 

وقام أيضا بتغييرات في مجال تدريبات المانترا لخطورة وحساسية هذه التدريبات لحمايتها من اساءة الاستخدام، فقد خشي سونغابا من مخاطر ممارسة التانترا من قبل أشخاص غير مدربين بشكل ممتاز فيجلبوا الأذى لأنفسهم وغيرهم. ولذلك كان من مواصفات من يقوم بالتدرب على التانترا أن يكون 1) راهبا اتخذ جميع عهوده 2) أن يظهر نضوجا في تنمية البوديتشيتا Bodhichitta  أي تنمية الذهن التواق للاستنارة وفي الالتزام بمسار البوديساتفا   Bodhisattva أي الشخص القادر على إدراك النيرفانا لكنه يؤخر ذلك حتى يساعد جميع الكائنات من التخلص من المعاناة 3) الالتزام بالدراسة الأكاديمية لعدد من السنوات.

وكان سونغابا مؤلفا غزير الانتاج حيث قام بتأليف 210 نصا جمعت في 20 مجلدا، ومن أهم أعماله مراحل المسار البوذي (Lamrim Chenmo (Stages of the Buddhist Path.

ومن تلاميذه غيالساب تارما رينتشن Gyaltsap Tarma Rinchen  (1364 – 1432) وكيندرُب غيلك بلسانغبو Khendrop Gelek Belsangpo (1385 – 1438). وهناك قصة فيها الكثير من العبر حدثت في أول لقاء بين سونغابا وغيالسب حيث غيالسب علامة لكنه مغرور، فقام بتحدي سونغابا فقبل أن يدخل المجلس لتقديم التعاليم، قام غيالسب بالجلوس على مقعد سونغاب كإعلان منه على الملأ أنه أعلم منه وأرفع منه منزلة. لكن ما أن بدأ سونغابا بالحديث – وهو معروف بالتواضع –  حتى أدرك غيالسب فورا أنه في حضرة معلم أعلم بكثير منه وأرفع منه فانحنى له ثلاثا واتخذ مقعده. وأعطى سونغابا الشكل المؤسسي للغيلوك عام 1410 حيث أنشأ دير غندن Ganden. وحمل التعاليم من بعد سونغابا تلميذه غيالسب ثم كيندرب. وجاء من بعدهم تلميذ آخر Gendun Druppa  وهو غيندن درُبا  والذي لعب دورا هاما في تأسيس الغيلوك، فقد أسس دير تاشي لنبو Tashilhunpo وقد عُين أول دالاي لاما Dalai Lama بأثر رجعي وعُرف عنه القوة والكفاءة كقائد. وبعد موته وكما أصبح متبعا في الغيلوك يتم البحث عن إعادة ميلاد المعلم أو التلكو. وبالتالي فان الدالاي لاما الثاني سيكون اعادة ميلاد لغيندن درُوبا وهكذا نشأت سلسلة الدالاي لاما. وفي البداية لم تدخل الغيلوك في السياسة واشتهر صيت هذه المدرسة بحياة النقاء الرهبانية والانجازات الأكاديمية. لكن هذا الوضع تغير مع قيام الدالاي لاما الثالث سونام غياتسو Sonam Gyatso بقبول دعوة من الأمير المغولي ألتان خان Altan Khan والتي أثمرت عن توطد العلاقات بين الغيلوك والمغول. وتعززت هذه العلاقات لاحقا عندما اكتشف أن الدالاي لاما الرابع هو حفيد ألتان خان.

 

يذكر لوبسانغ غياتسو أحد علماء الغيلوك الكبار (توفي عام 1997): ” عندما كان يصر بعض الرهبان على القراءة الحرفية للنص وكانوا يظهرون تخوفا من المغامرة في عوالم الذهن والفكر …. لم يلاقوا تقديرا وترحيبا حتى أنه قد يطلب منهم رئيس الدير والرهبان الكبار أن يتوقفوا عن النظر للأمور بحرفية وأفق ضيق وأن ينظروا بعمق في المعنى.”

وهكذا فإن القصد والمبتغى من المناظرات ليس استعراض المعرفة في الموضوع أو الدفاع عن وجهة نظر أو مواقف معينة بحد ذاتها بل الانفتاح الذهني  وتحريره من الافتراضات التي اعتادها أو المضمرة في عقله الباطن  وسبر الأعماق. وكان العالم الذي يدخل في المناظرات يقود الطريق لتوسيع الأفق كان يُقابل بالترحيب ويحظى بالاحترام. وكما ذكر غياتسو أنه:”إذا أقام المناظر نقاشه على الواقع وكان صادقا في طرحه حتى لو ابتعد بعض الشيء عما يقوله النص “المقدس” فإنه يُحمد على ماقام به حتى لو عارض توجها مقبولا في نصوص الرهبنة.” فالبحث عن معاني أعمق هو ما كان يقود النقاشات والمناظرات.

وفي التبت بإمكان الراهب الذي أكمل مجالات الدراسة الخمسة بنجاح أن يسعى في دراسات متقدمة وأن ينافس في الحصول على درجة غيشي geshe  والتي من شروطها أن يكون الشخص راهبا سواء مبتدئا أو ممن قدم نذور الرهبنة كاملة، وألا يقل عمره عن خمسة وعشرين عاما، وأن يكون قد نال تدريبا في أحد المراكز السبعة الرئيسية لمدرسة الغيلوك مثل Ganden, Sera, Depung …إلخ. ويتم اختبار المتقدم لهذه الدرجة في عدة مراحل: يتم اختباره في الدير أو معهد الرهبنة الذي تخرج منه ثم اختباره من المعهد أو الدير الذي يتبع له معهده أو ديره. والدراسة لنيل هذه الدرجة تتطلب الكثير، فتتراوح مدتها بين 15 – 25 سنة من الدراسة، وكان يأخذ الامتحان شكل المناظرات الشفهية حيث يُتوقع من الطلاب أن يظهروا تفوقا في مناظراتهم وفصاحة في الدفاع والنقد ضمن أشكال متنوعة من المواقف ووجهات النظر. وقليل من المتقدمين يكملون مشوارهم وينالون هذه الدرجة، ويمكن لمن أكمل جميع هذه الاختبارات أن يُكمل درجة غيشي لارامبا geshe lharampa حيث يواجهون أصعب الامتحانات ويختبرهم أعظم المعلمين درجة في مدرسة الغيلوك في بوتالا Potala  وهو مقر إقامة حضرة الدالاي لاما ويتم اختبارهم أيضا مع حلول السنة الجديدة حيث يجتمع الرهبان من أديرة الغيلوك الثلاثة الرئيسية في معبد جوكانغ Jokhang  في عاصمة التبت لاسا. حيث يُتوقع منهم أن يجيبوا على ما يطرح عليهم من أسئلة باجابات تظهر عمق وغزارة المعرفة في النصوص البوذية، وذكاءا ثاقبا ومرونة ومهارة وبراعة في المناظرات.

 ويعطى الإذن لمن نال هذه الدرجة في الدخول في تدريبات التانترا، وكانوا يدخلون في معتزل طويل للتأمل. ويمكنهم بعد ذلك التقدم لدراسات التانترا في أحد معاهد التانترا لمدرسة غيلوك في لاسا وأي مكان اخر.

(والدالاي لاما الرابع عشر الحالي هو تنزن غياتسو Tenzin Gyatso والمولود عام 1935. تلقى حضرة الدالاي لاما التعليم الذي أشرت له سابقا: المساقات العامة وتتضمن: المنطق والفنون الجميلة وقواعد النحو في اللغة السنسكريتية، والطب لكن جُل التركيز تمحور الفلسفة البوذية والذي ضم خمس موضوعات: اكتمالات الحكمة  باراميتا Prajnaparamita، وفلسفة المادياميكا  Madhyamika في البوذية، ومبادئ الالتزام بحياة الرهبنة أي الفينايا وعلم النفس والذهن البوذي أي الأبيدارما وعلم المعرفة وأدواتها أي البرامانا Pramana. بالاضافة إلى المواضيع الفرعية من شعر ودراما وعلم التنجيم والكتابة ومواضيع لغوية. وحصل على درجة غيشي لارامبا Geshe Lharampa والتي تعادل درجة الدكتوراة في الفلسفة البوذية).

والدالاي لاما راهب من مدرسة الغيلوك وهو ينتمي كذلك لحركة ريمي – التي سيرد الحديث عنها فيما يلي.

تعتبر حركة الريمي حركة غير طائفية أو غير متحيزة لمجموعة أو مدرسة ما، وقد نشأت في شرق التبت، وهي تمثل وجهات نظر وتوجهات يحملها العديد من المتدربين من مدارس وسلاسل متنوعة من المعلمين. وقد نهل المتدربون الذين ينتمون لهذه الحركة وتلقوا التعاليم من مختلف المدارس دون تحيز أو محاباة لمدرسة أو تقليد عن غيره. وتعاونوا في الحفاظ على تقاليد التدريبات المختلفة الموثوقة والتي بدأت بالانحسار بل والتلاشي تحت ضغوطات طائفية وتحزبية وأشكال من التعسف والاضطهاد. وهذا ينبثق من تعاليم بوذا حيث قدم بوذا 84،000 أنواعا من التعاليم حسب الظروف المختلفة وحسب تهيئ التلاميذ وقدراتهم. ولهذا فإن البوذية تقر وتعترف وتقدر ضرورة التنوع في التعاليم الموثوقة. فجوهر تعاليم الدارما إذن هو التنوع وليس التحزب والتعصب لمدرسة ما أو سلسة ما من المعلمين. تركز هذه الحركة وتؤكد على ضرورة التأمل والتدرب في المعتزلات كأساس للحياة الروحانية.

وإذا ما نظرنا إلى تعاليم الدزوغتشن  Dzogchen وهي من التعاليم العليا في البوذية وكما ذكر المعلم نمكاي نوربو Namkhai Norbu (والذي توفي عام 2018): ” تسعى تعاليم الدزوغتشن للاتصال مباشرة مع الواقع دون التقيد والخضوع أو التعصب لوجهة نظر أو طائفة ما”  – وهذا لايعني افتقار هذه التعاليم لرؤى معينة – لكن “إزالة الحواجز بين “أنا” و”الآخر”. وفهم الأمور والظروف كما هي ودون عوائق“. وهذا فيه إشارة إلى قبول مبدأ  تقدير الحكمة بغض النظر عن الموروث أو التقليد الروحاني الذي جاءت منه.

جيغمي لينغبا Jigme Lingpa  1730 – 1789

تعود بدايات حركة ريمي لجيغمي في نهاية القرن الثامن عشر. وقد ولد هذا المعلم لعائلة قروية بسيطة في التبت. وذكر لاحقا كيف أن هذا منحه تواضعا جعله يتبع توقه الروحاني دون أن يكون هناك من يخطط له مساره منذ البدء – كما هو الحال عند الطبقات الأرسطقراطية. واتسم هذا المعلم منذ طفولته بالنباهة والطيبة والشجاعة.

وعندما بلغ السادسة من عمره أخذ عهود الرهبنة كمبتدئ واستمر في طور الإعداد حتى بلغ الثالثة عشرة من عمره نظرا لفقر عائلته، ونظرا لفقره كان يقوم بخدمة الآخرين، ولم يكن لديه معلما في الدارما، ومع ذلك فقد كان ذكيا وحساسا، في ظاهره يبدو طفلا صغيرا قرويا بسيطا لكن في داخله كان يشعر باخلاص شديد تجاه غورو رينبوتشي وكان يتوق لدراسة الدارما والتدرب عليها. وخلال هذه الفترة حدثت له تجارب ورؤى روحية عديدة. وقد حصل في الدير على الكثير من التعاليم والتدريبات، مما أشعره ببعض الرضى. وبالنسبة للدراسة كان متعلما سريعا وقادرا على تعلم الكثير معتمدا على نفسه. وقد كان يصف مدى فرحه لأنه كان قادر على تعلم اللغة والكتابات العلمانية والدينية وشروحاتها وتعاليم الفاجرايانا حول الطبيعة المطلقة. لكنه كان يفتقد الدراسة على يد معلم. لكنه قابل في عمر الثالثة عشرة تكتشوك دورجي Thukchok Dorje حيث شعر جغمي بارتباط كبير جدا معه واخلاص تجاهه، وأصبح  معلمه المباشر. وحصل منه على تعاليم المهامودرا وغيرها. وحتى بعد وفاته استمرت العلاقة بينهما من خلال ما حصل عليه من تعاليم من الرؤى في منامه. ومنذ تلك الفترة التقى بالكثير من المعلمين وتعلم على أيديهم معمقا فهمه في مدرسة النغما. ومنذ طفولته كان لديه توق شديد في تعلم التأمل فنال تعاليم حول تدريبات التأمل منذ نعومة أظفاره. وفي عمر الثامنة والعشرين دخل في معتزل مدته ثلاث سنوات. واتخذ عددا من العهود للحفاظ على البساطة والخلوة في تدريباته. وتأمل على ما حصل عليه من التعاليم، وقرأ أعمال لونغتشمبا وشعر بارتباط كبير معه. وأحسن التأمل في شكليه: التأمل التصوري أي بتصور أمور معينة أثناء التأمل والنوع الثاني حيث يكون التأمل بلا تصور أي شيء visualization and formless meditation. واستمرت الرؤى العميقة والعظيمة في مناماته. وقد تدرب في أشكال عميقة باطنية ونفسية فيما يتعلق بالبرانا prana ومراكز الطاقة أو المراكز الطاقية النفسية chakras ومساراتها channels  والوعي. ونتيجة لما بذله في تنقية نفسه ووجوده من الداخل فقد حرر ذكاءه وقواه الادراكية وابداعه، وووجد نفسه قادرا على رؤية الجمال الطبيعي والنقاء في العالم، وتمكن من التعبير عن تجاربه دون أي عناء أو تكلف في الكلام أو الكتابة.