الجزء الثاني - من تاريخ المعلمين البوذيين في التبت

المصدر:   كتاب  Indestructible Truth للدكتور Reginald Ray

(أنصح عزيزي القاريء قراءة الجزء الأول من هذه السلسلة ومقدمته)

تروي سيرة حياة فيروبا أنه ولد كأحد أفراد عائلة مالكة، ومنذ صغره أخذ نذور الرهبنة وأصبح راهبا في جامعة نالاندا حيث عرف هناك باسم شري دارمابالا Shri Dharmapala. وأثبت نفسه هناك كطالب لامع، وألم ببراعة بالفروع المختلفة للتعلم في مجال الفلسفة البوذية، ونظرا لقدراته العلمية والدراسية الاستثنائية، تم تعيينه رئيسا للدير ومعلما رفيع المستوى في جامعة نالاندا. وفي فترة متأخرة من حياته وبينما كان راهبا في نالاندا يظهر أن فيروبا نال تعاليما في التانترا anuttara-yoga وكان يلزم عليه ألا يجاهر بممارسات التانترا غير التقليدية في العلن  لأنها لا تتفق مع تقاليد مجتمع الرهبنة في نالاندا، ولذلك كان يقوم بالتدريبات الاعتيادية للهنايانا والماهايانا من دراسة ومناظرات في النهار وفي الليل يقوم بتدريبات التانترا. ولكن رغم ما حققه فيروبا في تدريباته في التانترا والفاجرايانا وعبر العديد من السنين إلا أنه لم يحالفه أي نجاح بل على العكس ظهرت أمامه عوائق  عوائق نفسية وجسدية وبعض نذور الشؤم، وأخيرا وبعدما بلغ الحادية والسبعين من عمره قرر العودة لتدريبات تأمل الماهيانا والهينايانا التي كان يمارسها سابقا، لكن في مساء ذلك اليوم ظهرت له رؤيا ب Vajravarahi وأخبرته بنبذ كل المفاهيم، والنظر للطبيعة النقية ومنحته الكثير من التعاليم (ويمكن النظر إلى هذه الحالة على أنها حالة عالية من النقاء الذهني والتي فتحت ذهن هذا العلامة لكنز من كنوز الحكمة فأدركها ذهنه). وبذلك حقق فيروبا المرحلة السادسة sixth bhumi للبوديساتفا. لكن فيروبا استمر يمارس الروتين الاعتيادي لكن من المحتم أنه في نهاية المطاف سيُظهر للملأ ما ناله وحققه هذا المعلم. في أحد الأيام اختفت الحمامات التي كان يقدم لها الرهبان طعاما في الدير. وعلموا أن فيروبا كان قد أكلها طعاما له في غرفته – بعد أن قتلها – وشرب مع ذلك خمرا. وهذا يعتبر تجاوزا كبيرا لحياة الرهبنة بأن لا يقتل ولا يشرب مسكرا، وطُلب منه على الملأ أن يغادر الدير، فقام لتوه بإعادة أردية الرهبنة ووضعها أمام تمثال بوذا وانحنى إجلالا أمام التمثال واستعد للانطلاق إلى المجهول. لكن قبل أن يغادر فيروبا قررأن يكبح جماح غرور الرهبان الذين قاموا بطرده فقام بأمور خارجة عن المألوف لإظهار ما ناله من حقيقة فمشى على سطح مياه بركة مليئة بأزهار اللوتس ثم جمع عظام وريش الحمامات التي كان من الظاهر أنه قتلها وأكلها ونقر بطرف اصبعيه فعادت الحمامات للحياة فطارت وحلقت بعيدا في السماء. وبذلك أظهر من فعله الأول في السير على الماء، أن الواقع ليس ما يبدو لنا دائما. ومن الحدث الثاني أي قتل الحمامات أن ما يبدوا أمرا غير أخلاقي إنما هو في واقع الأمر وَهْم منذ البداية. وأدرك الرهبان بذلك أن هذا الراهب الذي اتهموه انما هو سِدا مُدرك للحقيقة فترجوه أن يبقى بينهم. لكن مسار حياته القادمة قد تحدد الآن وانتهت مرحلة الرهبنة في حياته. واتخذ حياة المعلم أو السدا المتجول يعبر عما أدركه من حقيقة من خلال نظم أغان والقيام بأمور غير مألوفة، وأفعال غير تقليدية. ومن أهم التعاليم التي جاء بها فيروبا lamdre وVajragatha  والتي جاءت في 12 كتاب كبير باللغة التبتية. وفيها تعاليم وشروحات حول الناقلات الثلاثة للذهن، بداية من دخول الدارما إلى مرحلة الوصول للاستنارة التامة. ومن تلاميذته دروغمي  Drogmi في القرن العاشر والحادي عشر، والذي أسس تلميذه غيالبو  Gyalpo  في القرن الحادي عشر مدرسة الساكيا Sakya. وهو من عائلة  kon حيث المعلمين – والذين يطلق عليهم في التبت لاما –  lamas فيها بالتوارث. ومع أنهم كانوا مع مدرسة نيغما إلا أنهم رأوا مع حلول القرن الحادي عشر أنه حان الوقت للبحث عن تعاليم جديدة في التانترا فبعثوا غيالبو ليبحث عن معلم جديد، ووجد دروغمي. وهكذا في هذه المدرسة ينبغي الإلمام بالدراسة والتدرب التقليدي قبل ممارسة التانترا. وبذلك غيالبو والذي لمع في عمر الاربعين كأكبر المعلمين اتخذ التوجه التقليدي والأكاديمي مبتعدا عن الأسلوب غير التقليدي وغير المؤسسي لمدرسة نيغما مع حفاظهم على بعض التدريبات والممارسات لتلك المدرسة. وبقيت الساكيا في طابعها متوارثة ضمن عائلة Kon  وأصبح الدير الذي أنشأته الساكيا جامعة للرهبنة حيث يكرس الرهبان حياتهم للحفاظ على الموروثات الأكاديمية والدراسة والمناظرة للبوذية الهندية والتي كانت في رحلتها التالية للتبت من الهند. وكانت ساكيا أول سلك للرهبنة يحكم التبت وذلك من خلال التحالف الذي قام به العلامة الكبير ساكيا بانديتا Sakya Pndita   في القرن الثالث عشر  – والذي لمع منذ طفولته نظرا لمواهبه الفذة في تعلم السنسكريتية وكونه خبيرا في كافة التعاليم البوذية التي كانت متوفرة انذاك والذي ظهرت له رؤى كثيرة نقل من خلالها كثيرا من التعاليم في المنطق والمعرفة…إلخ فانتشر صيته – تحالف ساكيا بانديتا مع المغول والذين سلموا مقاليد الحكم للساكيا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد.

ومما ساهمت فيه مدرسة الساكيا احداث توازن بين العلوم الأكاديمية في مسار الرهبنة وبين العلوم الروحانية الباطنة. وأنتجت أجيالا من من العلماء واليوغيين المستنيرين والرهبان والعلماء الكبار عبر تقليد من التدريبات الفكرية الصارمة . وقد نهلت مدرسة غيلوك منها الكثير الكثير. ومن علماء الساكيا الذين أدركوا الحقيقة العلامة واليوغي العظيم في القرن التاسع عشر للميلاد جام يانغ كينتسي وانغبو Jamyang Khyentse Wangpo الذي أنشأ حركة الريمي Ri-me  (حرفيا تعني “بلا حدود” ولا يمكن اطلاق لفظة مدرسة عليها وهي تنطلق من وجهة نظر غير طائفية وتنادي بالأخذ من جميع المصادر دون التحيز لمدرسة ما – وسيأتي الحديث عنها لاحقا).

(سيرد هنا ذكر قصص المعلمين واليوغيين الكبار: ماربا، ناروبا، وميلاريبا – أعظم يوغي في التبت)

لم تنشأ مدرسة كاغيو من أصول الرهبنة الهندية التقليدية مثل مدارس  كادم (غيلوك) وساكيا بل نشأت حصرا من جذور التانترا. فقد نقلت من معلم لتلميذه ولم تأخذ شكلها المؤسسي إلا في عهد غمبوبا Gampopa  والكارمابا الأوائل early Karmapas .

وُلد تيلوبا لطبقة البراهما ونبذ العالم منذ صغره واتخذ مسار الرهبنة وعاش في دير يترأسه أحد أقاربه. لكن لم يلبث حتى رأى رؤية لداكيني Dakini  قدمت له تعاليم وتأملات خاصة بالتانترا. فترك حياة الرهبنة متظاهرا بالجنون لكنه كان يتدرب في السر، فابتعد عن المجتمع الهندي وانعزل في الغابات بعيدا عن وهم الأمان الخدّاع الذي تمنحه “الأنا”. وبدأ يتجول من مكان لآخر إلى أن طُلب منه الذهاب إلى البنغال يدق حبات السمسم في النهار وفي المساء يعمل خادما عند بائعة هوا. ومكث يتأمل 12 عاما وبعد هذه المرحلة يُدرك أن عليه نبذ الحياة الاعتيادية تماما فيذهب للبنغال ويدخل في معتزل في كوخ صغير بناه لنفسه من العشب واستطاع التواصل مع أعلى الأشكال الروحانية ووصل ذهنه لحالات عالية من النورانية والنقاء والصفاء، ولذلك فهو يقول أن ليس له معلم  من البشر ( مع أنه تعلم على يد عدد من المعلمين) فقد تواصل ذهنه مباشرة مع حالة بوذا – الطبيعة المستنيرة.

وبعد ما أدركه من حقيقة روحانية بدأ يتجول ويعلم في مسار الفاجرايانا أو تانترا الماهايانا. وكان معلما قويا ولا يمكن التنبؤ بما يقوم به لأنه يناقض ما هو مألوف ومتعارف عليه. وقضى الكثير من وقته في المقابر يتدرب ويعلم مثل أي من السِدا الكبار. فقد تلقى مباشرة تعاليم الماهامودرا mahamudra  من فاجرادارا بوذا  Vajradhara.

وُلد في أجواء من الثراء وكان الابن المحبب في عائلته وهي من طبقة العائلات الحاكمة في الهند. وتزوج في السابعة عشرة من عمره لكن بعد ثماني سنوات أعلن رغبته في الالتحاق بحياة الرهبنة واتفق مع زوجته على الطلاق. لكنه على عكس تيلوبا اسثمر عددا من السنوات في الدراسة المكثفة للنصوص البوذية من مبادىء للرهبنة الفينايا Vinaya والسوترات Sutras وأبيدارما Abhidharma (علم الفلسفة وعلم النفس\الذهن في البوذية) في الهينايانا، وبراجناباراميتا  Prajnaparamita  (اكتمالات الحكمة) وتانترا الماهايانا. ووصل لدرجات في العلم لم يصلها أحد فأصبح معلما رفيع المستوى في جامعة نالاندا ثم تولى رئاستها. وفي أحد الأيام وبينما هو جالس في أحد الأيام في احدى حدائق الجامعة، وظهره مواجها الشمس، ومنصب في الدراسة، هبطت عليه ظلال مخيفة واذا بامرأة كبيرة بالسن وبشكل غير مألوف أبدا  وسألته:” على ماذا أنت مطلع؟” فأجابها موضحا ثم سألته إذا ما كان يفهم الكلمات أو المعنى الباطن، فرد عليها بأنه يفهم الكلمات، فابتهجت وبدأت ترقص. وأراد عندها ناروبا أن يجعلها أكثر سرورا فقال لها:  ” وأفهم المعنى الباطن أيضا.” لكنها انزعجت وبدأت تنتحب  وسألها لماذا تغير مزاجها هكذا فجأة، فأجابته:” عندما قلت – وانت علامة كبير – أنك تفهم كلمات الدارما فقط، قلت الحقيقة وذلك أسعدني، لكنك كذبت بعد ذلك عندما قلت أنك أيضا تفهم المعنى الباطن، فأنت لا تفهمه، فهذا أحزنني.” أصيب ناروبا بصدمة وعجز عن الكلام وسأل المرأة العجوز سؤالا سيغير مجرى حياته، سألها:” ومن يعرف المعنى الباطن؟” فدلته على “أخيها” دون أن تذكر اسمه أو مكانه. ثم اختفت هذه الداكيني مثل قوس قزح في السماء.

قد يرى البعض أن هذه القصة من الغرابة بدرجة لا يمكن أن يصدقها عقل. خاصة أولئك منا من أصحاب بعض الانجازات وبعض الصيت لنعود ونتمسك بسابق عهدنا وانجازاتنا وننسى “الكابوس” الذي رأيناه. لكن ناروبا اختار طريقا خارج أسوار الإيغو أو الأنا واتخذ مسارا مخالفا. فأعلن أمام جمهور الرهبان أنه سوف يذهب ساعيا وراء أخ تلك الداكيني دون علمه باسمه أو عنوانه.

ظن الرهبان أن ناروبا قد أُصيب بالجنون. فأشار له الرهبان أن حياة الرهبنة هي جوهر البوذية وأن تركه لمسار الرهبنة يعد خطأ جسيما بحق الدارما، وذكروه بما قضى من سنوات في الدراسة وترجوه ألا يترك منصبه  وذكره أن الملك سيغضب منه إذا علم بفعلته. وأنه إذا أقبل على ذلك سيدمر سمعته وللأبد. لكن لم يثنه أي شيء عما عزم القيام به وأعاد كتبه وأردية الرهبنة وتوجه شرقا نحو الغابات باحثا عن معلمه.

وحث ناروبا في الغابات والقفار الصحارى والأماكن غير المأهولة. وشعر بالضيق والحرقة، فقد صادف تجارب غريبة ظن ألا علاقة لها بسعيه إلا أنه وجد ما أثبت عكس ذلك فيما بعد. وفي النهاية، أصيب باكتآب حاد وشعر باليأس اذ أنه تخلص من حياته السابقة ولم يجد أي حياة جديدة. ويبدو أن ما حال بينه وبين السير قدما ما هو إلا معيقات من صنعه، وظن أن الكارما خاصته من السوء بشكل سيحول بينه وبين العثور على معلمه فقرر أن يقتل نفسه، فاخرج سكينه وقرر أن يقطع شرايينه لكن في تلك اللحظة ظهر له تيلوبا، أسود مزرق ببنطال من القطن،  وعيون بارزة حمراء، وقال له أنه منذ عقد  ناروبا العزم على اللقاء به كان تيلوبا قريبا منه في كل لحظة، لكن ما في ناروبا من تشويش ومشاعر مزعجة أغفلته عن تلك الحقيقة، ورأى تيلوبا في ناروبا القدرة على حمل التعاليم العميقة وقبل به تلميذا.

وخلال 12 سنة قضاها ناروبا مع تيلوبا عاني الأمرين، كل أشكال المحن النفسية والروحانية والجسدية، وقد فهم من خلالها ما راكمه من كارما في حيواته السابقة من معيقات وأوهام. كل ما أعطاه إياه تيلوبا من تعاليم كان دمارا على احساس ناروبا  بهويته وشخصه، وكان يظن أنه في كل لحظة كان يصيبه الأذي بشكل لا شفاء منه، لكن في كل مرة كان تيلوبا يظهر لناروبا مستوى أعمق في وجوده: مزيدا من الانفتاح ووالوضوح والاشراق بلا اعتماد على حياة أو موت الأنا. وكان ما تلقاه تيلوبا من تعاليم فيه القليل من الكلام وإيماءات رمزية، ولم يقدم له أي امان ولا ضمانات ولا توكيدا وتحمل ناروبا كل ذلك من باب الإخلاص الكامل للمعلم تيلوبا وقناعته ألا وجود لخيارات أخرى.

وبعد 12 سنة من التدريب، ووسط أرض قاحلة قال تيلوبا لتلميذه ناروبا الان حان الوقت لنقل التعاليم النبيلة – الدارما. وعندما طلب تيلوبا عطايا من ناروبا، لم يكن لدى ناروبا ما يمنحه سوى أصابعه ودمه. فقام بجمعها تيلوبا بعد ذلك ووجه صفعة لناروبا بحذاء قذر فأغشي عليه وعندما استيقظ أدرك الحقيقة المطلقة وعادت له أصابعه. وتلقى ناروبا من تيلوبا تعاليم ماهامودرا Mahamudra  واليوغات الستة الباطنة وتانترات الأنوتارا يوغا anuttara-yoga tantras وأصبح سِدا Siddha  في الارث الذي يعلمه تيلوبا، وأخذ تيلوبا في التجوال في الغابات يقوم بأشياء خارجة عن المألوف. وكمعلم مدرك، اتخذ تلاميذا ومن خلال أفعاله وبغض النظر عن كونها صادمة أو غير مألوفة فقد كانت بذلك توقظ الحالة المستنيرة وراء الفكر والأفكار، مفعما بالرأفة والرغبة في رفع المعاناة والحكمة والقوة. ونظرا لتدريبه السابق كعلامة فقد تمكن من الكتابة وببلاغة حول مواضيع في الفاجرايانا.

يعتبر ناروبا شخصية محورية في سلسلة معلمين مدرسة الكاغيو بشكل يزاوج فيه بين تدريب التانترا وأساليب العلم التقليدية والجمع بين الاخلاص اللامنطقي والعقلانية والفكر. ومن خلال ناروبا نقلت تعاليم تيلوبا وسلسلته السامية من غابات شرق الهند حيث اتخذت شكلا على يد المعلم الكبير ماربا  Marpa والذي كان رب منزل وأبا لسبعة أبناء.

وبقيت الخصال التي أظهرها هؤلاء المعلمين الكبار من تدريبات صارمة والتزام وتركيز على تدريبات التأمل المكثفة والاخلاص الكبير للمعلم والانفتاح التام على تعاليمه – كلها أمورا غدت تميز تعاليم مدرسة الكاغيو.

Leave a reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

بستان الدارما