الجزء الأول - من تاريخ المعلمين البوذيين في التبت

من تاريخ المعلمين البوذيين في التبت

مقدمة 

المصدر:   كتاب  Indestructible Truth للدكتور Reginald Ray

نظرا للاهتمام الكبير من الكثيرين في الفلسفة البوذية وصحيح أن البوذية الآن تحظى باهتمام الكثير من العلماء خاصة وأن الدالاي لاما نفسه يشجع الحوار مع العلماء حول الأدوات الرائعة في تهذيب الذهن والقلب والفلسفة العميقة التي تتمتع بها الفلسفة البوذية، إلا أنه من الضروري أن نتذكر أمرا مهما جدا وهو ألا ننقاد وراء كل ما نسمع ونقرأ دون إعمال ذهننا وأن نضع كل شيء موضع التمحيص والسؤال وتطبيق الشك العلمي على كل ما نرى في هذه الفلسفة – حتى وإن كانت من أرقى المذاهب الروحانية لحد الآن. فلا يوجد ما هو مقدس وخارج السؤال بما في ذلك بوذا والدالاي لاما نفسهما وكذلك التعاليم. فليس الغرض من جعل أحد هنا نبيا أو جعل نص ما منزلا أو منزها أو معصوما – فالكثير منا قد ملّوا التقديس والعبادة للأشياء والأشخاص ….إلخ.

*   يعتبر النظر للمعلم الثقة والمتمرس على أنه “بوذا مستنير”  أحد الأساليب والطرق في بعض الموروثات البوذية التي تساعدنا في مسارنا الروحاني، وذلك حتى تشكل منطلقا للطالب والساعي في المسار الروحي لكي ينظر  لجميع الكائنات على أنها هي أيضا بوذا المستنير (أي الطبيعة الجوهرية المستنيرة والمتأصلة في جميع الكائنات الواعية). وأكرر أن الفلسفة البوذية زاخرة بالكثير من الأدوات والطرق في التدرب على مسار الاستنارة وهذا الأسلوب ما هو إلا أحدها.

 

من الضروري أيها القارئ العزيز أن تقرأ الملاحظات التالية قبل قراءة هذه السلسلة:

  • هؤلاء المعلمين الكبار ليسوا جميعا رهبان وعلماء فمن أعظمهم من كانوا يوغيين yogins  أو يوغينيات  yoginis  وممن كانت لديهم عائلات وأبناء فجمعوا بين العلم الكبير والتدرب المكثف على التأمل ورعاية أسرهم.
  • ما سيرد هنا من تفاصيل لحياة مجموعة المعلمين الكبار في الفلسفة البوذية وما حققوه من أمور تفوق الذهن الاعتيادي وما هو مألوف، انما هو تحصيل وثمار ما كرسوا حياتهم له بالكامل من علم ودراسة وتأمل وإخلاص وتوق منقطع النظير– وعدد كبير من الحيوات السابقة . وأكرر أن وصولهم  للحقيقة المطلقة ليس أمرا يعزز وهم الثنائية illusion of dualism  بل هو دليل على قدرات ذهنية عالية جدا تمكنت من الوصول لحالات ذهنية غاية في النقاء. ونرى كم من التدرب والدراسة والتأمل والالتزام الأخلاقي قام به هؤلاء قبل تلقيهم العلوم المتقدمة وتانترا الماهايانا (الفاجرايانا).
  • ولا ننسى ما قاسوه في حياتهم من آلام ومحن دون أن يستسلموا للتهالك في مستنقع المعاناة بل نهضوا واستنهضوا ما فيهم من طاقات ونور ونفعوا أنفسهم وكثير من الكائنات – قد يكون هذا لنا عونا في هذه الأيام الصعبة. والقصد من ذكر قصصهم هو لفت النظر لنوع مميز من ثقافة روحانية قد تتشابه وتختلف عن غيرها من الموروثات الروحانية في العالم. وكذلك ذكر نماذج واقعية لمعلمين أقوياء ومدركين للحقيقة علنا نستفيد من رحلتهم وننتبه لما نضعه في زوادة رحلتنا.
  • ولا ننسى أيضا أن بعض هؤلاء المعلمين جاؤا من ثقافة التبت، وهي لها خصوصيتها، ولأهل التبت طبعهم وخصائصهم من الشدة والصلابة والعناد، فهم يعيشون في أعلى المرتفعات على هذه الأرض في بيئات جبلية قاسية في كثير من مناطقها، والارتحال منها للهند يعني عبور الهيمالايا وما في ذلك من مشقة وخطورة على الحياة.

الجزء الأول

المعلمين الكبار ومدارس الفلسفة البوذية

(سأعرض هنا مقتطفات عن حياة  10 من المعلمين من عام 982 ميلادي حتى نشوء حركة الريمي RI-ME  غير الطائفية في القرن التاسع عشر في التبت).

عندما ننظر للفلسفة البوذية هناك تعاليم ومدارس. التعاليم تتلخص في الناقلات حيث جاء بوذا ب 84،000 من التعاليم التي تتناسب وطبيعة ذهن المتلقين فكانت الناقالات الثلاثة: الهينايانا Hinayana والماهايانا  Mahayanaوتانترا الماهايانا Mahayana  ( أي الفاجرايان اVajrayāna ). تُنقل التعاليم من خلال سلاسل من المعلمين  Lineages الثقات لتلاميذهم، وأحيانا يكون هذا ضمن سياق مؤسساتي. مثلا يكون ضمن مؤسسة الرهبنة من خلال الأديرة أو يكون من خلال المعلمين واليوغيين الذين لزموا حياة الغابات والتأمل في الكهوف حيث يبحث عنهم طلابهم وتلامذتهم ويتلقون منهم التعاليم. ولقد شبه المعلم تيم أولمستيد هذه السلاسل من المعلمين تماما مثل النظر للمعلمين والأبطال مثلا في مجال الرياضة أو الغناء أو أي مجال، فيملأ الإلهام الطالب أو الساعي عندما ينظر لهم ويسعى لأن يصبح مثلهم ويشكل هذا محفزا كبيرا لهم وعونا على الطريق.

بالنسبة لمدارس الفلسفة البوذية، فهي: المدرسة القديمة نيغما Nyingma ، وكادَم Kadam والتي أصبحت فيما بعد غيلوك Geluk، وساكيا Sakya وكاغيو Kagyu وهي جميعها تمثل ما يسمى “المدارس الأربعة”. وأحيانا يتم ذكر بونبو Bonpo كمدرسة خامسة رغم أنها ليست معلنة صراحة على انها بوذية، ومن المهم أن نعلم أن هناك عدد من الموروثات الروحانية الأخرى وسلاسل نقل للتعاليم لم تصبح مستقلة بحد ذاتها كالمدارس الأربعة التي ذكرتها سابقا، ومن أهمها شيجي Shije وتشو Cho وجونانغ Jonang. وهي جميعها واحدة من حيث جوهر التعاليم والغاية في الوصول للاستنارة لكن تختلف في التدريبات وفي الاسلوب من حيث إذا ما كان يعتمد التأمل أو الدراسة أو الجمع بينهما. لكن استمرت جميع هذه المدارس في إثراء بعضها البعض والدمج فيما بينها.

ومن الصعب تصنيف المدارس وما تفرع منها وسلاسل المعلمين، والسبب في ذلك أن ما يحدد سلاسل المعلمين lineages ليس المؤسسة بل سلسلة المعلمين التي نقلت التعاليم من معلم لتلاميذه. فقد يتلقى معلم تعاليما ضمن سياق مؤسسة ما، لكنه قد يكون في نفس الوقت طالبا عند عدد من المعلمين الذين بدورهم قد ينتمون إلى مدارس مختلفة ولذلك قد يكون المعلم “حاملا” لسلاسل مختلفة. وعندما يأتي الجيل التالي فانهم ينقلوا سلاسل المعلمين التي نقلها لهم معلمهم بالاضافة لنقل سلاسل أخرى من معلمين آخرين لهم. وهكذا يتشابك الأمر.

ولسوء الحظ لم يخل تاريخ التبت من الصراعات و تدخل السلطات الحاكمة أو من كانت لديهم القوة والسلطة.

أتيشا  Atisha   982- 1054

مؤسس مدرسة كادم Kadam  (تُعرف فيما بعد  ب “غيلوك”Geluk )

 

 

يعتبر العلامة الهندي العظيم أتيشا المؤسس لمدرسة كادَم في القرن الحادي عشر والتي أصبحت تعرف بعد بغيلوك على يد العلامة سونغابا Tsongkhapa . وقد كرس حياته بعمق في مساره الروحاني، جاءته رؤيا “تارا” Tara (وهو تمثيل من الكائنات من العالم المطلق أو مظهر من مظاهر الذهن مطلق النقاء). بعد فترة من الدراسة والتدرب في مجال الفاجريانا جاءته رؤيا للمعلم النبيل بوذا شكياموني والذي طلب منه دخول سلك الرهبنة، وهذا كان في عمر التاسعة والعشرين في دير بودغايا في الهند. وبعد ذلك كرس نفسه لدراسة الفنايا Vinaya  أي مبادئ الرهبنة وبراجنا باراميتا Prajnaparamita  أي اكتمالات الحكمة والتانترا. ثم ذهب إلى سومطرة لدراسة فلسفة الماهيانا (المادياميكا) Madhyamaka  مع العلامة الكبير دارماكيرتي Dharmakirti . ثم عاد إلى الهند وتولى منصب رئيس أو أبُت لفيكراماشيلا Abbot of Vikramashila .

وعندما وصل أتيشا للتبت كان قد بلغ الستين عاما. وتعلم اللغة التبتية وتكلمها بطلاقة. وقد قابل أهل التبت بالتقدير والحب رغم ما وجد فيهم من شدة وحرفية كانت بالنسبة له أمرا مزعجا ومحببا في نفس الوقت.  وأخذ على عاتقه إحياء حياة الرهبنة ومبادئ الرهبنة في أنقى أشكالها. ومع أن أتيشا نفسه تدرب على التانترا وجعل لها مكانا في ما أسسه إلا أنه أكد على أن أعلى أشكال الحياة الروحانية هي التزام حياة الرهبنة حسب الماهايانا من خلال الالتزام بمبادئ الرهبنة ودراسة النصوص واتباع أسلوب الماهايانا التقليدي من حيث التدرج في المسار الروحاني نحو الاستنارة والعمل من أجل رفاه الجميع. ودور التانترا هنا أن تستخدم لخدمة هذه الغايات.

وهذا ما تبنته مدرسة الغيلوك حتى يومنا الحاضر. وهكذا ترتب على من قبلهم أتيشا من الرهبان أن يتبعوا القواعد الأربعة: العزوف عن الزواج، وعدم شرب المسكرات، وعدم امتلاك الأموال وعدم السفر.

 

ويأخذ أسلوب التدرّب الذي اتبعه أتيشا شكلين: التأمل خاصة كما في الماهايانا وهو ما يسمى بتدريب الذهن أي lojong – training of the mind والشكل الثاني يتمثل في أسلوب الدراسة والتعلُم والذي يتمثل في الدراسة والمناظرات والحياة الفكرية.

وما يزال هذا الموروث يشكل إلهاما لحياة الرهبنة في كافة تجلياتها في التبت. ولا يقتصر تأثير مدرسة كادَم في الفلسفة البوذية في مدرسة غيلوك ولكن نراه أيضا في مدرسة الكاغيو.