مقدمة في أساسيات الحضور الذهني

” من المهم لمن يمارس الحياة الروحانية أن يتفحص وباستمرار أفعاله والدوافع وراءها والمواقف التي يتبناها ويتخذها، وإذا تفحصنا أنفسنا كل يوم بحضور وانتباه ويقظة ذهنية، مختبرين أفكارنا ودوافعنا التي تتجلى في سلوكنا، تنفتح أمامنا أبوابا من احتمالية التغيير وتنمية الذات”. – الدالاي لاما الرابع عشر

“تعتبر الرغبة في رفع المعاناة عن الاخرين أو الرأفة جوهر الحياة الروحانية، فلا يمكن الاستغناء عن ممارسة الحب، والصبر والمسامحة، والشفقة.” – الدالاي لاما الرابع عشر

***

من كتاب ساكيونغ ميبام  Sakyong Mipham  Running with the Mind of Meditation 

من الأمور الأساسية في التأمل احترام الذهن والجسد: في المراحل الأولى في التدريب على الحضور – من حيث النَفَس والهيئة ووضعية الجلسة والأفكار التي ترد على الذهن، وما نستحضره من موقف تجاه ما نقوم به من أفعال – فأنت تنظر بحميمية وعن قرب شديد تجاه ذهنك وجسدك، لتلاحظ نقاط القوة والضعف فيها. فننتبه للنفَس: شعورنا به عندما يخرج من فمنا ومنخرنا، وما يحتاجه من وقت للزفير، وما هو شعور الاستنشاق، وهذا يساعد على التدريب على الحضور في فعل بسيط. ومن الصعب الانتباه للنفس في البداية – فعندما نتابع النفس تشتتنا حواسنا، رائحة القهوة في الصباح أو الضجيج الذي يصدر عن الحافلات، وتحفز هذه المشتتات نشوء الأفكار، ويحاول الذهن مطاردة هذه الأفكار التي نشأت وفي تلك اللحظة تفقد تركيزك على ما كنت تنوي القيام به وهو التركيز على النفَس. فعندما يندفع الذهن مما يراه الى ما يسمعه والى ما يفكر به فان ذلك يعتبر تشتيتا – وهو اللص الذي يسرق حضورنا.
في التدريب على الحضور، فاننا نتدرب على التركيز على شيء واحد فقط، نحن ندرب عضلة الذهن وكلما تدربنا تزداد قوة، في البداية نكون مثل الاطفال في النادي الرياضي والذين لا يستطيعون رفع سوى الخفيف من الاثقال لفترة قصيرة من الزمن، لكن مع التدريب نتمكن من رفع المزيد من الاثقال.
ومن المهم أن نكون لطفاء مع أنفسنا وليس الهدف ان نقصوا على أنفسنا بل أن نكون “أصدقاء ودودين مع أنفسنا” فالصديق لن يصرخ علينا أو يؤنبنا بأننا كسالى ولا نجيد التأمل بل يقوموا بالتشجيع الدائم لنا وكذلك ينبغي أن نكون مع أنفسنا، وأن نمنح أنفسنا حسا من الدعابة والصدق والوضوح!
عندما نبدأ بالتأمل، نتمكن في البداية بالبقاء مع النفس مدة 30 ثانية، ثم 40 ثانية ثم 45 ثانية، ثم دقيقة ونصف، وباللطف نستمر بتذكير أنفسنا أننا نبني قوة العضلة الذهنية. ويساعدنا الحضور في تأدية أي مهام نقوم بهالأن ادراكنا أكثر حدة وقوة، وذاكرتنا وتركيزنا أفضل بكثير. ونكون أكثر حضورا مع الاخرين في اللحظة.
ومن أهم منافع الحضور الاستقرار: فنحن ندرب ذهننا على البقاء مع ما نوى القيام به، مثل خيط الطيارة الورقية نحمي الذهن من أن يضيع في رياح الأفكار وعواصفها – سواء ايجابية أو سلبية. ومع هذا الاستقرار الذي يجلبه الحضور، يصبح ذهننا أقل توترا وقلقا، وعندما يقول من يقومون بالتأمل أن التأمل يجعلهم هادئين فانهم يشيرون بذلك الى هذه الحالة من استقرار الذهن. والذهن المستقر يخلق أساسا لحالة من السعادة والرضى، فلا نرغب بأكثر مما لدينا الان. وعندما نتمتع بالحضور، نبث الصحة والقوة. وفي هذه الحالة الصحية يولد الذهن أفكار وأفعال ايجابية، وفي واقع الأمر تكمن الكثير من هذه الأفكار الايجابية تحت سطح الذهن.
واذا لم يكن بامكاننا التركيز في التأمل لا يمكننا البقاء في الحضور، فنصبح كسالى ونستسلم. وحيث اننا لسنا اصدقاء لانفسنا نشق ونقسو على أنفسنا وتصبح التجربة مؤلمة. أو ربما نندهش من حضورنا ونغمس أنفسنا في تلك المتعة. ولا ينبغي الانفعال والإفراط بالانفعال كرد فعل لضعف الحضور فينا فان ذلك لا يولد سوى المزيد من استطراد الأفكار في ذهننا.
واذا لم نسعى لنكون حاضرين ونخلق ذهنا مستقرا فاننا لن نتمتع بثمار ذلك. لكن يمكننا دائما إعادة التدرب على الحضور في كل لجظة باللطف بمحبة تجاه أنفسنا وبالحزم أيضا مذكرين أنفسنا بما ينطوي ذلك على فوائد.

***

      

هذه مقتطفات من مساق تدريبي تقدمه جامعة ناروبا الأمريكية (التي أسسها العلامة نشوغيام ترونغبا) وهو يقدم للناس العاديين ويتخصص في مفهوم ال Compassion أي الحالة الذهنية التي ترغب في رفع المعاناة عن كل الكائنات دون استثناء وهذا المفهوم يأتي ضمن دراسات وعلوم “تدريب الذهن” في الفلسفة البودية. وفي هذه الصفحات نعبّر عن هذا المصطلح ب لفظة الرأفة ( أي الرحمة والحنان والخوف من حلول مكروه ويقال في خوف المرء على صاحبه – كما جاء في المعجم الوسيط).

ابتدأ المحاضرون بسؤال وجهه الدالاي لاما للعلماء: لماذا لا تدرسوا الطبيعة الحسنة وهي الفطرة المتأصلة في الإنسانية بدلا من الانهماك في دراسة الشر والحالات السلبية فقط؟”
وبدأوا بتساؤلات حول الأماكن التي قد تنير في الدماغ عند ممارسة هذه الحالة الذهنية، وكيف أننا مجبولون على هذه الحالة وهي متأصلة فينا، لكننا ولكثير من الأسباب نفقد التواصل معها، وطرحوا مجموعة من الأسئلة: ما هي الرأفة أي الحالة التي ترغب فيها برفع المعاناة عن كل الكائنات؟ هل نتذكر إذا ما تصرف معنا أشخاص بهذه الحالة بدافع الصدق والإخلاص ودون تكلف؟ هل نقوم به تجاه الآخرين؟
وقد أشاروا إلى طبيعة الدماغ من حيث مرونته وقدرته على التكيف وإدراك ذاته من خلال تشكيل وصلات عصبية وارتباطات جديد. اذا في الامكان خلق أنماط وحالات جديدة بدلا من الحالات الذهنية والأنماط التي ليس فيها نفع لنا.
ابتدأ المحاضرون بالتدريب على الحضور الذهني لتجهيز الجسد وتهيئته، حتى يشكل أرضية لحالة الشفقة أي الحالة الذهنية التي ترغب في رفع المعاناة عن كل الكائنات دون استثناء. فنصبح على وعي بكل المشاعر والاحساسات المختلفة داخله وخارحه، وهذا يساعدنا في تقبل الواقع كما هو داخلنا وخارجنا، وهذا منطلق لممارسة الشفقة تجاه أنفسنا والآخرين لأننا واعين وصادقين بما نشعر به في انفسنا وحولنا. وكلمة الحضور الذهني في الانجليزية Mindfulness وهي بالإنجليزية تعني مليء بالذهن mind + full، وكأننا نمتلئ وعيا وحضورا. والهيئة المرافقة لهذا النوع من التأمل هي الجلوس بظهر مستقيم (هناك هيئات أخرى سنتحدث عنها لاحقا وهي التمدد والوقوف والمشي)، فالعمود الفقري المستقيم يساعد في التركيز.
وممارسة الحضور الذهني من خلال التركيز على النفس وملاحظة واحساس ما يحدث داخلنا وخارجنا من مؤثرات بصدق وصراحة، وهذه هي البداية في أن نكون صادقين وواقعيين يأن نجلس ولا نشيح أنفسنا بعيدا ودون أن نتهرب، فكم من المرات توقفنا وشعرنا بما في داخلنا وحولنا دون مقاومة ومعارضة، فقط نجلس مع الإحساس بصدق لما يدور سواء إيجابيا أو سلبيا. إجلس مستقيم الظهر متيقظ وبانتباه ووعي. ابق العينين مفتوحتين لكن دون الحملقة في أي شيء بل بعينين مرتاحة، وبإدراك لكل ما حولك، عادة تغلق العينين عندما يكون الهدف من التأمل التعامل مع النفس ومشاعرها من الداخل لكن الهدف من هذا التأمل تعزيز ارتباطنا بما حولنا والارتباط مع الناس من حولنا ولذلك نبقي العيون مفتوحة باسترخاء. اجلس، أُشعر، وتنفس، وطبعا ليس الغرض تعذيب النفس فهذا سكون نسبي، نتعامل فيه بلطف مع أنفسنا حتى نصبح على وعي كامل بما فينا وما حولنا.

***
كما ذكرنا لابد من تجهيز الجسد والذهن على الحضور كأرضية لممارسة العواطف الايجابية والشفقة أي الرغبة في رفع المعاناة عن كل الكائنات والنفس، وفي هذا الملخص اقتباس يساعدنا في تنمية الحضور، ثم بعض المعلومات من بعض دراسات العلاج النفسي في الغرب والتي تدرس أثر مثل هذه المشاعر على بعض الفئات من الناس حتى نكون واعين أننا لا نتشابه في ردود أفعالنا حتى تجاه أمور مثل العواطف الايجابية، وأن ممارسة الشفقة أي الرغبة في رفع المعاناة عن كل الكائنات والنفس من الضروري أن تكون بوعي وأن ندرك الأفكار والتجارب السلبية التي تحول بيننا وبين ممارسة أو تقبل مثل هذه المشاعر الايجابية.

يقول العلامة تشوغيام ترونغبا Chögyam Trungpa 1939 – 1987 وهو مؤسس Shambala في أميريكا والشمبالا مجموعة من المبادئ والممارسات التي يرى العلامة على أنها أنها ممارسات علمانية لخلق مجتمعات متنورة وعادة ما يطلق عليها أيضا المسار الروحاني للمحاربين من أجل النور:

“إذا قررنا أن ننظر بحيادية سنجد أنه رغم كل مشاكلنا وتشويشنا، وتقلبات الحياة العاطفية والنفسية الحسنة والسيئة، هناك خير متأصل فينا كبشر. ومن الصعب أن نأمل في تحسين حياتنا إذا لم نكتشف تلك الطبيعة أو الأرضية الخيّرة فينا. فإذا كنا يائسين وتعساء كيف لنا أن ندرك أو حتى نتخيل مجتمعا متنورا. واكتشاف الطبيعة الخيرة فينا يأتي من تقدير أشياء بسيطة جدا، ونحن هنا لا نتحدث عن كسب ملايين الدولارات ولا التخرج من الجامعة أو شراء بيت جديد، لكن الخير في مجرد وجودنا أحياء والذي لاعلاقة له بانجازاتنا أو ما حققناه أو ما نتمناه من رغبات. ونحن نعيش ومضات ندرك فيها الخير في كل الأوقات، لكننا لا نقدر ذلك، فعندما نرى لونا لامعا فإننا نشهد طبيعتنا الداخلية الخيّرة، وعندما نسمع صوتا جميلا فإننا نسمع طبيعتنا الخيّرة، وعندما نأخذ حماما نشعر بالانتعاش، وعندما نخرج من غرفة مضغوطة نشم نسيم الهواء المنعش. وقد تأخذ هذه التجارب جزءا من الثانية، لكنها تجارب حقيقية من الخير، ونحن نتعامل معها على أنها أمور زائلة أو محض صدفة. بناء على مبادئ الشمبالا (Shmabala)
ومن المهم حسب مبادئ الشمبالا ملاحظة تلك اللحظات والاستفادة منها، لأنها تكشف عن لحظات من الانتعاش والسلام – الخير المتأصل فينا. وهذا الخير الموجود في كل انسان فيه كم هائل من اللطافة والتقدير، فنحن كبشر نقدر الجمال، ويمكننا أن نقدر ونثمن أفضل ما في العالم، يمكننا أن نقدر اصفرار اللون الأصفر والحمرة في اللون الاحمر، واخضرار الأخضر، فهذه تجربة حقيقية، فالأصفر أصفر ولا يمكننا أن نقول بأنه أحمر، فهذا مناقض للواقع، وعندما تشرق الشمس لا يمكن أن نقول ياله من شيء مروع، فلا يمكننا أن نقول ذلك حول شيء مثل يوم مشرق أو عند تساقط الثلج، فهذه أشياء نقدرها. وعندما نقدر الواقع فان ذلك يعمل فينا. ويمكننا أن نشفي أنفسنا من الاكتئاب إذا أدركنا أن عالمنا خيّر.”

بالنسبة للجانب العلمي من حيث البحوث الحديثة في مجال (compassion) أو الرأفة أو كما يعرفها الدالاي لاما ” الانفتاح على معاناة الآخرين مع الالتزام بتخفيفها” وأما الحب فهو “تمني السعادة للآخرين”. تذكر إحدى الدراسات أنه رغم تزايد الدراسات التي تثبت أن تنمية الرأفة والرغبة في رفع المعاناة عن النفس وعن الآخرين تحدث آثارا كبيرة في تعزيز العواطف الإيجابية إلا أنه بالنسبة لبعض الأفراد الذين يعانون من النقد الشديد للذات من الصعب أن يتقبلوا رغبة الآخرين في رفع المعاناة عنهم أو حتى الخوف من ذلك .

ممارسة التأمل على الرغبة في رفع المعاناة عن الآخرين وبشكل منتظم تؤثر على ردود أفعالنا تجاه التوتر وتؤثر أيضا على الدماغ الأمامي (مع الانتباه على التأمل الذي يقع في فخ تعظيم الأنا والذي قد يتسبب بأمراض نفسية). وكذلك ممارسة التأمل على اللطف بمحبة يرفع من العواطف الإيجابية والدعم الاجتماعي ويقلل من أعراض الأمراض، والإحساس بالروابط الاجتماعية واللطف تجاه الآخرين والغرباء. وكذلك الدليل العلمي في ازدياد، والذي يثبت أن ممارسة وتنمية الرغبة في رفع المعاناة عن الآخرين تمثل ترياقا لبعض المشاكل النفسية والعقلية ومنها الاكتئاب والقلق. وهناك مدارس في العلاج النفسي الغربي تقوم على العلاج من خلال تنمية الشفقة وهي تقلل من مشاعر الذنب ونقد الذات والاكتئاب والقلق والتوتر. لكن مثل هذا العلاج لم ينفع مع فئة من المرضى الذين يظنون بأنهم لا يستحقون هذه المشاعر من الآخرين.
ومن الملفت النظر في ردود فعل الناس تجاه مشاعر الآخرين في الرغبة في رفع المعاناة عنهم، فهي عند البعض تثير مشاعر الخوف أو الرغبة في تفادي من يقدم لهم مثل هذه المشاعر. وهناك بعض من يعانون من الاكتئاب ويخافون من المشاعر الايجابية فبعضهم يخاف من مشاعر السعادة لأنه إذا كنت سعيدا اليوم سيحدث شيئا  غدا، ويذكر أحد المرضى كيف أنها في طفولتها كانت تشعر بلحظات من السعادة لكن أمها تأتي بحالة من الغضب المفاجئ والانتقاد، ولذلك قررت ألا تشعر بالسعادة مرة ثانية لأن هذا يجلب أحداثا سيئة، ولاحظت مريضة أخرى أنها عندما كانت تشعر بالسعادة في بعض الأحيان كانت تراودها أفكار أن مكروها ما قد يحل بأطفالها أو زوجها وأدركت كم تخاف من مشاعر السعادة، وكيف أن ذلك يعود لأحداث في بداية حياتها، وهكذا فإننا نضع شروطا على المشاعر الإيجابية بل وربطها بأحداث منفرة، وكذلك قد ينشأ الخوف نتيجة لربط المشاعر الإيجابية الاجتماعية بأحداث الإساءة والخذلان.
ولذلك فقد ينشأ صد للمشاعر الإيجابية من الآخرين، والنظر إليها على أنها تهديد، وهذا يشكل مشكلة لأن هذه المشاعر تنظم أحاسيس التهديد والعزلة الاجتماعية. وكذلك قد تحدث مشاعر الدفء المرتبطة بمشاعر الرغبة في رفع المعاناة عن الآخرين بإثارة مشاعر الرغبة في الشفقة لكن دون تقبل الدفء والرعاية من المقربين منهم، مع زيادة في الوعي بالوحدة الداخلية والحنين لعلاقات تقبلهم وتثمّنهم. وإذا كانت مشاعر الحزن والهم عند البعض – والتي تحفزت نتيجة لمشاعر اللطف والشفقة من الآخرين أو الذات – والتي تعلمنا كبتها وفصلها عن أنفسنا، فلم تعد مألوفة لدينا، وقد تستحوذ علينا أو تتسبب في مزيد من مشاعر الانفصال عن الواقع أو عن أنفسنا.
وقد يرى البعض في طلب المساعدة ضعفا أو ينظروا للآخرين الذين يعانون بازدراء أو احتقار.
لكن الأشخاص الذين عاشوا في بيئات آمنة ينظرون للآخرين على أنهم مصدر للأمان والدعم ويلجأون لطلب المساعدة والدعم عندما يصابون بالكدر أو الانزعاج ويفتحوا أنفسهم ويتقبلون المساعدة والحب من الآخرين.وعلى العكس من ذلك الأشخاص الذين جاءوا من بيئات غير آمنة ولديهم شك تجاه دعم الآخرين لهم أو توفرهم لهم، وهم عرضة اما لتجنب الآخرين أو ربط الانزعاج بأشخاص دون الاحساس بالتحسن.

أتمنى أن تفيد هذه الاضاءات في فهمنا لهذه المشاعر الإيجابية ومحاولة فهم بعض ردود الأفعال لها سواء داخلنا أو داخل الأشخاص الآخرين. وكذلك فهم الحضور بداية بتقبل الأمور داخلنا وخارجنا كما هي، الأحمر أحمر والأصفر أصفر.”

ويقول ترونغبا: “ليست فكرة الاعتقاد ان العالم خيّر مجرد فكرة اعتباطية أو عشوائية لأنه يمكننا أن نعيش بالفعل تجربة الخيرفيه، ويمكننا أن نعيش عالمنا على أنه صحي ومباشر وحقيقي لأن طبيعتنا الحقيقية والأساسية هي التماشي مع ما في ظروفنا من خير، وهناك توافق بين مكنونات الذكاء البشري والكرامة البشرية وبين تجربة روعة السماء الزرقاء والانتعاش في الحقول الخضراء وجمال الأشجار والجبال. وهناك ارتباط حقيقي بيننا وبين الواقع الذي يمكن أن بوقظنا ويجعلنا نشعر بالخير متأصلا فينا. وتتمثل رؤية الشمبالا في التوفيق بين قدرتنا على ايقاظ أنفسنا وادراك أن الخير يمكن أن يحدث لنا. في الواقع الخير يحدث الان. لكن مايزال هناك سؤال. قد تكون قمت بارتباط حقيقي مع عالمك: التماح لحظات من شروق الشمس، ومشاهدة ألوان لامعة، والاستماع لموسيقى جميلة، وتناول الطعام الجيد، أو ما يماثل ذلك. لكن ماذا عن الارتباط بين لحظات من الخير مع تجربة تستمر فترة أطول من ذلك؟ من ناحية قد تقول: “أريد ذلك الخير الذي في داخلي وذلك الذي في العالم.” فتسرع في البحث عن عن طريقة لامتلاك ذلك، أو قد تقول ” كم سيكلفني أن أحصل على ذلك؟” أو ” تلك التجربة جميلة فأريد امتلاكها”. المشكلة هنا أنك لن تشعر بالرضى بهذه الطريقة، حتى لو حصلت على ما تريد، لأتك تريد ذلك بشدة! وقد ترى الناس في أحد الشوارع الفخمة يتبضعون، وتظن أن ذوقهم الراقي يجعلهم يدركون كرامتهم الانسانية، بينما هم مغطون بالأشواك لأنهم يتشبثون أكثر وأكثر بالأشياء.
وعلى النقيض من ذلك قد تستسلم وبتواضع شديد حتى تربط نفسك بذلك الخير، فتقدم حياتك لشخص حتى تسعى في غاية من غاياته – اذا كنت تظن أن لديه ما تظن من الخير، فقد تحلق رأسك، وترتدي الأرواب، وتزحف على الأرض حتى ترتبط بذلك الخير، فها أنت قد قايضت كرامتك وصرت عبدا.
أنت تحاول في كلتا الطريقتين أن ترتبط بالخير، بشيء حقيقي، قد تدفع الاف الدولارات من أجل ذلك اذا كنت غنيا أو ترهن نفسك له ان كنت فقيرا، لكن ثمة أمر خاطئ في كلتا الطريقتين.
المشكلة أنه عندما نكتشف امكانية للخير داخلنا فاننا نأخذ ذلك الاكتشاف على محمل الجد وبشدة، فقد نقتل من أجل الخير أو نموت من أجله، لأننا نريد ذلك وبشدة، ما نفتقده هنا هو حس الدعابة والخفة. ولا نقصد بحس الدعابة هنا الضحك على الاخرين والسخرية منهم أو انتقادهم. حس الدعابة الحقيقي هو حس بالخفة وليس ضرب الواقع بالأرض بل تقدير الواقع، فأساس رؤية الشمبالا اعادة اكتسشاف حس الدعابة الحقيقي تلك اللمسة اللطيفة من التقدير.
واذا نظرت الى نفسك ولذهنك، ولما تعتاد القيام به، يمكنك استعادة حس الدعابة الذي فقدته مع الأيام، بداية لننظر للأشياء العادية في واقع الحياة المنزلية: الصحون، جهاز التلفون السكاكين، الأشواك، الملاعق، المناشف، الغسالة – تلك الأشياء العادية. لا يوجد شيء مقدس أو روحاني فيها، لكن اذا لم يكن هناك ارتباط مع حياتنا العادية، واذا لم نتفحصها وننظر فيها، فلن نجد حس الدعابة أو الكرامة في أي واقع أبدا”.


“الطريقة التي تغسل فيها الصحون، وتسرح فيها شعرك وترتدي فيها ملابسك، كلها امتداد لقوانا الذهنية السليمة، فهي طريقة لارتباطنا بالواقع، فالملعقة هي ملعقة، بالتأكيد. هي أداة لتناول الطعام، لكن في نفس الوقت، قد يعتمد امتداد رجاحة عقلك وكرامتك، على كيفية استخدامك للملعقة. وببساطة تتمثل رؤية الشمبالا في حثك على أن تفهم كيف تعيش حياتك، وعلاقتك بالحياة العادية.
وكبشر نحن في طبيعتنا الحقيقية مستنيرين، ويقظين، ويمكننا فهم الواقع، ونحن لسنا عبيدا للحياة التي نعيشها. نحن أحرار. وتكمن حريتنا في أننا نملك جسدا وعقلا، ويمكننا أن نسمى بأنفسنا، حتى نتعامل مع الواقع بكرامة وحس من الفكاهة والدعابة، فإذا تنشطنا وابتهجنا، سنرى أن الكون بأكمله – بما في ذلك الفصول وتساقط الثلج، والطين، جميعها تعمل معنا وبقوة. الحياة مرحة ومضحكة، لكنها لا تسخر منا، ونجد في نهاية المطاف أن بإمكاننا أن نتعامل مع عالمنا، وبإمكننا أن نتعامل مع كوننا على نحو مناسب، وبشكل بهيج جدا.
واكتشاف الطبيعة الخيّرة ليس تجربة دينية، بل ادراك بأنه بمكننا التعامل معها، وتجربة الواقع، العالم الحقيقي الذي نحن فيه، وتجربة الخير المتأصل في حياتنا يجعلنا نشعر أننا أذكياء ولطفاء، وأن العالم ليس تهديدا، وعندما نشعر أن حياتنا حقيقية وخيّرة لن نكون بحاجة لأن نخدع أنفسنا أو الاخرين، وبمكننا أن ننطر لعيوبنا وضعفنا دون أن نشعر بالذنب أو النقص، وفي نفس الوقت بمكننا رؤية امكانية نشر الخير للاخرين، ويمكننا قول الحقيقة مباشرة وبانفتاح كبير وبحزم أيضا.
وجوهر المحارب من أجل النور أو جوهر الشجاعة الانسانية هو رفض الاستسلام في القيام بأي شيء أو فقدان الأمل بأي شخص. ولا يمكننا أبدا القول أننا قد انهرنا أو قول ذلك حول أي شخص اخر، ولا يمكننا قول ذلك عن العالم، خلال حياتنا على هذه الأرض سنشهد الكثير من المشاكل الكبيرة، لكن فلنضمن ألا تحدث كوارث خلال حياتنا، نستطيع أن نحول دون ذلك، فالأمر يعود لنا، يمكننا أن ننقذ العالم من الدمار، ولهذا وجدت رؤية الشمبالا والتي عمرها قرون، فعندما نخدم العالم بإمكاننا إنقاذه، لكن انقاذ العالم ليس كافيا لأنه علينا أن نبني مجتمعا متنورا كذلك.”
وفي كتابه يكمل ترونغبا نقاشه في “كيفية بناء المجتمع المستنير والطريق اليه، بدلا من التظير حول أفكار مثالية من الخيال، فإذا أردنا أن نساعد العالم علينا أن نقوم برحلة شخصية، فلا يمكننا مجرد التنظير لقدرنا، والامر يعود لكل فرد منا في أن يجد معنى للمجتمع المستنير، وكيفية تحقيق ذلك، وأملي في ما أعرض من طريق محارب الشمبالا أن يساهم ذلك في فجر هذا الاكتشاف.”

     

 

Leave a reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

بستان الدارما