لديك كل ما تبحث عنه للمعلم منغيور رينبوتشي

ترجمة وتحرير موقع دارما بستان

المؤلف: المعلم الكبير والمُتمرس في التعاليم والتدريبات البوذية يُنغي منغيور رينبوتشي Yongey Mingyur Rinpoche من التبت. هو ابن العلامة العظيم وأعظم معلمي العصر في الفلسفة البوذية تلكو أورغين رينبوتشي Tulku Urgyen Rinpoche. وهو يشرف على مجموعة تيرغار للتأمل Tergar Meditation Community.

 

من كتب المعلم منغيور:

بهجة العيش: كشف سر وعلم السعادة  The Joy of Living: Unlocking the Secret and Science of Happines و أيضا

In Love with the World: A Monk’s Journey Through the Bardos of Living and Dying، ويرها من الكتب حول التحرر وتنقية الذهن.

مصدر المقالة: 

مجلة Lion’s Roar

“You Already Have What You’re Looking”

BY YONGEY MINGYUR RINPOCHE| JANUARY 30, 2019

https://www.lionsroar.com/you-already-have-what-youre-looking-for/

“عندما أفكر في أهم رسالة تختص بالتعاليم البوذية وما قد تقدم لنا في العقود القادمة، عادة ما أفكر في النموذج الذي قدمه بوذا نفسه.” فعندما كان لا يزال بوذا شاباً، أدرك أن حياته المتميزة وبرغم كل السعادة وكل المزايا التي كان يتمتع بها في حياته، كان بوذا يشعر بالنقصان، لا قوة أو ثروة على وجه الأرض تؤول إلى الشعور بالرضا الدائم. وكما نعرف جميعاً، غادر بوذا القصر أخيراً وانطلق في رحلة العثور على ما هو مفقود.

لمدة ست سنوات سعى إلى المعلمين العظماء في عصره، طبق فلسفاتهم وتقنيات التأمل الدقيقة، أتقنها تماماً، ولكنه بقي  غير راضِ. لكن كان عليه أن يجد ما يبحث عنه.

في نهاية المطاف، وجد طريقه إلى ضفاف نهر نيرانجان Niranjan مصمماً على التأمل حتى يحصل على الجواب. لقد آتى خالي الوِفاض بعد أن أمضى ست سنوات في الغابات، والصيام لفترات طويلة والتأمل ليل نهار. لقد بحث بعزم، ولفترة طويلة، حتى أنه لم يعد لديه خيارات. وأخيراً تخلى عن كل ما كان متمسكا به.

اكتشف بوذا كل شيء في تلك اللحظة من التخلي.

لقد بحث في كل مكان عن السعادة الدائمة، ودرس كل الفلسفات، وأتقن كل التقنيات، ودفع جسده وذهنه إلى أقصى الحدود.

“ولكن الشئ الوحيد الذي لم يخطر في باله هو أنه لم يكن في حاجة للبحث  فقد كان لديه بالفعل كل ما كان يبحث عنه.”

 

“المفتاح لهذه الرحلة هو التقدير”

لقد تخلى عن كل التعلقات أخيراً وترك نفسه يستريح، ربما لأول مرة منذ سنوات. كان يتذكر لوهلة عندما كان صبيا يافعاً. يجلس تحت شجرة تفاح وردية. لم يكن يفعل أي شيء، أو ينوي الذهاب إلى أي مكان. لا يرنو إلى خبرة ما. لقد “كان حاضرا” بكل بساطة.

في الأيام والأسابيع التي تلت ذلك، يبدو أن هذا الشخص الذي سيصبح “بوذا” فيما بعد، اكتشف طبيعته المستيقظة – ما نطلق عليه الآن “طبيعة بوذا”، كان لديه رأفة وشفقة عظيمة متأصلة الوعي اللامنتهي والحكمة العميقة كانت موجودة لديه أصلا. السلام والصفاء العميقان اللذان بحث عنهما في يأس كانا جزءاً من طبيعته الأساسية.

إن الرسالة التي أعتقد أن على البوذية أن تقدمها للعالم في هذا القرن المضطرب هي رؤية بوذا وبصيرته بأنه يمكننا  جميعاً أن نصبح بوذا.

من نواحِ كثيرة، نحن تماماً مثل بوذا. نجد أنفسنا أيضاً نسعى جاهدين لأن نجد معنى لحياتنا، لتجربة القليل من السلام والسرور والراحة والأمان. نطارد تجاربنا الزائلة ونضع ثقتنا الكاملة بها، على أمل أن يقودنا بطريقة ما، في يوم من الأيام، إلى سعادة دائمة. نحاول جاهدين العثور على النجاح في المساعي الدنيوية التي لا يبدو أنها تؤتي ثمارها في النهاية.

يستسلم الكثير منا ثم يلجئون إلى المسار الروحاني، لكننا نقوم بذلك بنفس الأسلوب الذي قام به بوذا وبنفس التوقعات المبدئية التي قام بها، نفترض أن المشكلة هي بنا نحن، أننا نحتاج إلى أداة لعلاج بعض العيوب الأساسية في أذهاننا، ثم نذهب إلى العمل باستخدام التأمل لإصلاح لحظة حالية ناقصة على الدوام.

لقد تعلم بوذا أن كل هذا الجهد، حتى عندما يأتي في حزمة “روحانية” براقة يعزز عادة متجذرة فينا برؤية اللحظة الحالية كمشكلة. ولكن عندما تقوم كل جهودنا على هذا الاعتقاد، فإن ما يحدث هو أننا نتعلق بنسخة أو بشكل أفضل من أشكال “السمسارا samsara”. يبدو أننا نفعل كل الأشياء الصحيحة، لكننا لم نجد طريقنا للخروج من المتاهة.

نحن نعلم جميعاً ماهية الشعور بأننا نسعى ونبحث ثم لا نعثر على شيء أبدا، تماماً مثل الشرب من ماء مالح. يبدو شعور جيد لوهلة، ولكنه يتركنا أكثر عطشاً مما كنا.

المثال الذي أحببته دائماً هو صورة طائر يبحث عن عشه. قد يحلق الطائر بعيدًا بحثاً عن الطعام، لكنه سيعود دائمًا إلى المنزل. وطالما أنه لم يجد طريقه للعودة إلى العش، فسوف يستمر في البحث. ولكن عندما يصل الطائر في النهاية، فإنه لن يوجد لديه شك. الطائر يعرف أنه بيته وعشه .

نحن نشبه هذا الطائر كثيرا الذي يحاول أن يجد طريقه إلى عشه . نحن نعلم أن جميع متع الحياة السريعة لن تقودنا إلى سعادة دائمة. نحن نعلم أن صحتنا الجسدية هشة، وسوف تتغير علاقاتنا ووظائفنا. ولكن لا أحد يخبرنا أين هو بيتنا. كل ما يمكننا فعله هو تخمين أفضل ما لدينا، أو الاستمرار في البحث في نفس الأماكن على أمل أن نكتشف شيئًا جديدًا.

يخبرنا بوذا أين نبحث. يُظهر لنا أين نجد بيتنا الحقيقي، المكان الذي يمكننا أخيراً أن نرتاح فيه على ثقة أن بحثنا قد انتهى.

المفتاح لهذه الرحلة هو الإحساس بالتقدير والامتنان.

قد يبدو أن الإحساس بالامتنان والتقدير ليس له مكان في عالم يعج بالتحديات. في هذه الأيام يتم تذكيرنا باستمرار بمشاكلنا. الاكتئاب والقلق في تزايد، وتغير المناخ يخلق كوارث في جميع أنحاء العالم، وتؤدي التغييرات الكبيرة في المجتمع إلى تسليط الضوء على العديد من الأشياء التي كانت مخفية في الظل لعدة أجيال.

كيف يمكن أن نتحدث عن التقدير عندما نواجه مثل هذه التحديات الهائلة؟

ليس المقصود بالتقدير التفكير الإيجابي، وليس تَمَنّي  أن تكون الأمور أفضل مما هي عليه بالفعل. يجعلنا الإحساس بالتقدير  هو أن نأخذ الوقت الكافي لندرك ونرى ما هو موجود بالفعل هنا والآن، وما لدينا الآن في هذه اللحظة بالذات. هذه القدرة تعطينا القوة الداخلية للتعامل مع معاناتنا بطريقة ماهرة، والبقاء على اتصال مع بعضنا البعض.

 

هناك العديد من الصفات التي لا نقدرها في نفسنا. كما اكتشف بوذا، أذهاننا واضحة وواعية بشكل طبيعي. قلوبنا مفتوحة بشكل طبيعي ورؤوفة. كل واحد منا لديه حكمة هائلة. على الرغم من أننا لا ندرك ذلك دائمًا، طبيعة بوذا المتأصلة فينا.

كل يوم نقوم بأمور لا تعد ولا تحصى تمثل طبيعة بوذا — أعمال صغيرة من الرأفة ولحظات من البصيرة والفهم . هذه الأشياء شائعة كثيراً لدرجة أننا لا نلاحظها.

إن إدراك هذه الصفات يشبه اكتشاف كنز تم دفنه تحت أقدامنا. ما قد نكتشفه قد يكون جديدًا وحديث العهد، ولكن ما هو جديد هو الاكتشاف وليس الصفات نفسها.

اكتشاف طبيعة بوذا المتأصلة بداخلنا هو الحل. إنه يعطينا الثقة والرأفة والحكمة للتعامل مع تحدياتنا ومعاناة العالم بقلب مفتوح وذهن نقي.

عندما نجعل التقدير والامتنان أساس ممارستنا وتدريبنا الروحاني، ستكون كل لحظة مليئة بالاحتمالات الممكنة.