من محاضرة “مقدمة في مسار البوديساتفا” للمعلم تيم أولمستيد Tim Olmsted

https://www.steamboatbuddhistcenter.org/meet-the-lineage-1

ترجمة وتحرير فريق دارما بستان

 

 

 

تِم اولمستيد Tim Olmsted المدير السابق لدير  غامبو آبي Gampo Abbey مدة 11 سنة، وهو معلم ضمن  تقليد الشمبالا- وكان المعلم المساعد للمعلمة المعروفة  Pema Chödrön مدة عشر سنوات. وهو معلم ودارس في مجال التأمل منذ عام 1977 وتعلم على يد المعلمين الكبار في مجال الفلسفة البوذية في هذا العصر ومنهم تشوغيام ترونغبا وتلكو أورغين وديلغو كينتسي رينبوتشي.

مقدمة

قد يظن البعض أنه بإمكانهم التأمل دون الدراسة ودون فهم الأمور المتعلقة بمسار التأمل تماما مثلما  يرغب شخص في ممارسة رياضة التنس مثلا، رافضاَ أن يعلمه أحد كيف عليه أن يضرب الكرة. تنبع أهمية التعلم من ضرورة فهم وتعلم ما سنمر به في هذا المسار وكيفية التعامل مع ما ينشأ في أذهاننا والعقبات التي قد تواجهنا في مسارنا في التأمل. و لهذا فعندما تكون مهتما بشئ ما فعليك أن تتعلمه، خاصة إن كان شئ عميق مثل التأمل، و ذلك لأننا نتعامل مباشرة مع الذهن ذاته. و لكن لماذا يجب علينا ان ندرس؟ على سبيل المثال، عندما يكون لك صديقاَ يهوى الفن فإن عليه أن يدرس ذلك المجال جيدا حتى يطور موهبته البدائية ويصقلها جيدا، كما يجب على الفرد أن يتدرب بشكل كافي لكي يطور من نفسه. لأن هذا هو المبدأ الأساسي في طريق اليقظه الروحية. كما أن ما نفعله في  مسار التأمل هو اكتشاف الطاقات والمهارات الكامنة داخلنا والخصائص الطبيعية فينا. بالإضافة إلي ذلك، فلا يجب أن نكتفي فقط بأن ندرب الذهن ونجعله أكثر تفتحاَ، بل يجب أيضا أن نصقله و نجعله أكثر نباهة وقدرة وحدّة. وذلك لكي ندرك طبيعته الحقيقية. لأن الحقائق التي تنكشف و تتجلى في هذا المسار هي فى غاية الروعة. فنحن نبدأ بتعلم ما هو ممكن عن طريق تدريبنا للذهن بفاعلية ومهارة في صفات الوضوح والحكمة والرأفة والحب والدفء والتواصل من أجل نفع النفس والآخرين. وهذا لأن ممارسة التأمل إما إن تكون غايه الروعة أو تكون فى غاية الملل، حيث ان هذه هي طبيعة التأمل.

فمسار التأمل بحد ذاته هو مذهل وجميل جدا بحيث أنه يلهمنا، والمنطق لهذا المسار ومبادئه تخلب الذهن وتدهشه  وحسب التقليد البوذي الذي نعلمه تتم الإشارة لطبيعة الذهن الحقيقية والتأمل عليها منذ البداية. فتصبح هي التجارب التي نمر بها في مسارنا. بهذه الطريقة يبدو وكأننا نتعلم أمور حول نهاية وثمار المسار منذ البداية. ومن الضروري معرفة طبيعة المسار لأنه قد تمر سنوات وقد لا يحدث معنا أي شيء أثناء سيرنا في هذا المسار وهذا أمر طبيعي ولذلك عندما ندرس حول طبيعة المسار، نهيئ أنفسنا لطبيعه الرحلة وطبيعة هذا المسار. وأخيرا، سوف تحتاج أن تعلم منطق الحديث عن مسار التأمل حتى تتمكن من توصيل ما ستشارك به من معلومات وتجارب  للآخرين عند الحديث إليهم حول مسار التأمل الروحي، ولذلك من الضروري أن تخبرهم بأشياء قد اختبرتها بنفسك لكي ترشدهم وتوجههم في هذا المسار الشيق، حيث سوف تحتاج الفهم والمنطق للقيام بذلك الأمر. وعدم الاكتفاء بأن تقول إن التأمل أمر جيد.

التأمل والطرق البوذية (الماهيانا والهنايانا)

التأمل “يُطري أذهاننا” لكن الدراسة والفهم يغيران أذهاننا وعقولنا، فعندما نفهم شيء فإنه يغير الذهن بسرعة هكذا. وأكرر كما أقول دائما أن دراسة مبادئ التأمل “تطري أذهاننا” وتجعلنا أكثر رقة وأقل تشنجا، وبالتالي نصبح أكثر انفتاحا داخلنا وخارجنا. وبذلك نظور إحساسا عميقا بالحب والألفة وفهما وحساسية عالية لأنفسنا والتي تتطور فيما بعد لحالة دفء طبيعية والتي ستظهر وتندفع رغما عنك وتظهر على شكل تواصل واهتمام بالآخرين.  ومع هذا الانفتاح والتحرر،  ننفتح أكثر. وكنتيجة لذلك: سوف نشعر بأن الأمور  أقل ثباتا وأقل يقينية. وتتغير نظرتنا للأشياء، فمثلا قد نرى شخصا كنا ننفر منه انه غير ذلك و فى ظل وجود مساحة أكبر من الإسترخاء والدفء, ربما نشعر بأن الشخص الذي لطالما حكمنا عليه بأنه احمق بسبب موقف معين نتذكره له، بأن رؤيتنا تجاهه تتغير بينما نتفتح أكثر و نصبح أكثر رقة ولا نتمسك بأفكار متصلبة حول الناس والأشياء. ويتم تعليم هذه الأمور كمقدمة ومدخل لما يطلق عليه بالناقلة العظيمة أو المسار العظيم والماهايانا. فيتم الحديث عادة عن البوذية ضمن ثلاث ناقلات أو ثلاث طرق في حمل التعاليم. يُطلق على الناقلة الأولى مصطلح ” ناقلة “الهينايانا” حيث يتم التأكيد على مبدأ عدم التسبب بالأذى وبالتالي العمل على بداية المسار الروحي ومع مبادئ التأمل على أخلاقيات عدم الأذى. وهذا أول ما  نتعلمه. فالأذى يسبب المتاعب والمشاكل للآخرين كما أنه يبقينا مضطربين. ولذلك, علينا أن نتخلص منه  في بداية المسار حتى نتعلم كيف نتوقف عن التسبب  في الفوضى. وهذا ما يسمى بناقلة الهينايانا. تنتشر تعاليم “الهينايانا” في جنوب شرق آسيا بشكل أكبر، مثل تايلاند وكامبوديا ولاوس وسريلانكا.  ويتم نقل وحمل تعاليم الهينايانا من خلال تقاليد الرهبنة. وينقلنا ذلك للمبدأين الذين ترتكز عليهما تعاليم الناقلة الثانية وهي ناقلة الماهايانا و هما تجربة الشفقة و الرأفة والدفء و  وتجربة الانفتاح تجعلنا نتفتح في منظورنا للعالم وهذا ما يُطلق عليه تعبير الخلو emptiness. ويمكن القول أن هذه الناقلات تمثل تطور التعاليم عبر العصور وعبر الزمن، ومن الناحية العملية والتجريبية، يمثل هذا ما تكشفة لنا حياتنا وفهم كل تجربة نمر بها الواحدة تلو الأخرى، فيقل تشبثنا بالأشياء ومع انفتاحنا على الأشياء قد يُحدث هذا شيئا من عدم الاستقرار في بعض المراحل في مسارنا. و هذا هو ما يُطلق عليه المدخل لطريق الماهيانا أو الناقلة العظيمة.  وهي عظيمة لأن الفهم أعظم وأعمق واهتمامنا أعظم وبلا حدود فهو يشمل جميع الكائنات. بالتالي يصبح وعينا غير محدود.

مفهوم البوديساتفا والبوديتشيتا

وتسمى الماهيانا الناقلة العظيمة لأنها تعمق وتعزز من الصفات التي تؤدي إلى نفع جميع الكائنات، والشخص الذي يكرس نفسه لهذه الممارسات بناء على هذه الناقلة يسمى “بوديساتفا”  وهو ذات الشخص الذي يتحلى بالشجاعة اللازمة ليسير بناء على تعاليم هذه الناقلة. كما يوجد مصطلح آخر يسمى “البوديتشيتا” وما يميزه هو أنه لا يعتمد اعتماد أعمى على النية او الرأفة او العزيمة فقط، بل يعتمد على التصميم  بأن نسلك الطريق حتى نهايته حتى نبلغ الإدراك الكامل للحقيقة لنفع النفس والآخرين. لأننا إن أردنا حقا تحقيق الإستفادة، فإن الوسيلة الوحيدة لذلك هي مساعدة الآخرين فى إدراك الحقيقة بأنفسهم . مثل الطبيب الذي يحتاج للتدريب والمهارة حتى يتمكن من القيام بمهامه. يمكن تشبيه ذلك بمهمة الطبيب الذي يريد مساعدة مرضاه، فهو لا يريد أن يزيل أعراض المرض عنهم فقط بل يريد ان يقضي تماما على المرض نفسه وتحرير المريض منه. وهذا هو معنى لفظ “بوديتشيتا” بإختصار. و لكي نشرح معنى اللفظ بالتفصيل, فإن كلمه “بودي” تعني ” الجوهر المنير” كما تعني كلمة “تشيتا” القلب والعقل [في الفلسفة البوذية وعند أهل التبت لا فرق بين العقل والقلب فهما واحد وفي اللغة العربية يقابل ذلك مفهوم الذهن أي الفكر والعقل والحالات النفسية فلا فصل بين العاطفة والأفكار] ولذا فبدمج الكلمتين معاْ فيصبحوا ” جوهر القلب المنير أو جوهر الذهن المنير” .  إذن ما يميز ناقلة الماهيانا هو مفهومي البوديساتفا والبوديتشيتا.

 

يوجد نوعان من البوديتشيتا, 1- بوديتشيتا النيّة ( و هي عبارة عن إلتزامنا الداخلي بأن نُفيد وننفع أنفسنا والآخرين روحياِ) , 2- بوديتشيتا التطبيق ( و هي عبارة عن التطبيق الفعلي والعملي ) حيث يعتبر الفرق بين النيّة و التطبيق كما الفرق بين التخطيط لرحلة و القيام بها. وعند الحديث عن بوديتشيتا التطبيق العملي يكون الحديث حول البوديتشيتا النسبية والمطلقة. ففي سياق الحديث عن بوديتشيتا العمل والفعل يكون الحديث حول البراميتات الستة six paramitas أي الاكتمالات الستة أي الأفعال الستة التي تساعدنا في الانتقال لمراحل أعلى في التطور الروحاني وهي: الكرم والصبر والانضباط وبذل الجهد السليم والتأمل والحكمة. فالبوديتشيتا المطلقة هي التي تنشأ وتنطلق من ذهن لديه تجربة مباشرة مع طبيعة حقيقة الواقع والخلو emptiness. فكلمة باراميتا paramita تعني الذهاب للشاطئ الآخر بعيدا عن شاطئ التمحور حول الذات والمفاهيم حول الأشياء أي التطور على المسار الروحاني نحو الاستنارة.

وأما بالنسبة لبوديتشيتا الإلهام والتوق السليم Bodhichita of aspiration  إنها تدور حول المواقف والصفات الأربعة اللامحدودة. و وهي متأصلة فينا بشكل طبيعي ويمكننا التدرب عليها، من الضروري أن نتحلى بالثقة لكي نكتشفها فهي ليست شئ مكتسب ولكنها شئ جوهري بداخلنا. وبالرغم من أن مسار اليقظة الروحية أو مسار البوديتشيتا موجود بالفطرة فينا ويمكن أن ينشأ فينا بشكل تلقائي إلا أنه يحتاج منا بعض التدريب. فعلى سبيل المثال, بالرغم من العبقرية الفطرية لرسام عصر النهضة الإيطالي “مايكل انجيلو“، إلا أنه قد احتاج للتدريب لكي ينميها. بعض المدارس والتقاليد البوذية تعتمد وتركز على النشوء التلقائي والطبيعي لما فينا من صفات بينما بعضها لا يركز على ذلك بل على التدريبات وما ينبغي القيام به وما لا ينبغي القيام به، لكن التقليد التي نتبعه هو طريق وسطا بين هذه التوجهات، طريق يثق بالطبيعة البناءة والخيرة داخلنا.

وكما ذكرت سابقا بينما نسترخي ونتوقف عن الشد والتشنج نشعر بالامتداد والاتساع والدفء داخلنا، وهذا ومضة من طبيعتنا الحقيقية والمتأصلة فينا: الطبيعة النقية قبل الشر والخير، يمكننا توجيهها كيف نشاء، فما علينا سوى أن نكتشفها وندركها ونألفها، فهذا هو المسار. والتدريب ما هو إلا لمساعدتنا في القيام بذلك.

الخصال الأربعة غير المحدودة

دعونا الآن نتحدث عن الخصال الأربعة غير المحدودة فى لمحة سريعة.   أولها “الطيبة المحبة Loving Kindness” , فإننا نعرّف المحبة ونميزها على أنها: الرغبة في إسعاد أنفسنا وإسعاد الآخرين. إن هذة هي طبيعتنا الأصلية مهما كانت ظروفنا على جميع الأصعدة ومهما كنا مشوشين ومهما كُنا مقصرين فإننا في النهاية سوف نكتشف  أن ما نريده ببساطة هو أن هو أن نكون سعداء، مثل الطائر يضم فراخه تحت جناحية فى العُش. كما أنه توجد نيّه بداخلنا أن نحقق السعادة لأنفسنا و للأخرين أيضا لأننا مهتمين بالسعادة فتتدفق فينا دون تمييز بين سعادتنا وسعادة الآخرين… ولذلك فهناك العبارة التي نرددها في بداية تدريباتنا وهي ” لينال الجميع السعادة وأسباب السعادة”. فما هو مصدر السعادة؟ هناك الكثير من أسباب ومصادر السعادة. مثلا  الكرم وهو خلق حالة ذهنية إيجابية داخلية من خلال ممارسة الكرم وأي شكل من الأمور البناءة، . إذن فإن سبب السعادة هو إكتشاف تلك الطبيعة المتأصلة بنا. والصفة الثانية من هذه الصفات غير المحدودة هو تمني السعادة للآخرين وكأنهم مرآتنا فنحب أن نراهم سعداء أيضا وجميعا وليس المقربين منا وحسب. وهذا أمر طبيعي متأصل فينا. فنحن نتذوق طعم السعادة ونرغب به للآخرين أيضا. ومع التدريب يتم بشكل غير محدود و غير مشروط فإننا نتحرر من جذور وأسباب المعاناة. وذلك لأن أسباب المعاناة هي الشئ المعاكس لأسباب السعادة. وهو القيام بأشياء تسبب المتاعب على مستوى الجسد و القوّل والفكر و تجعلنا مشوشين حول طبيعتنا الأصلية.

وأما بالنسبة للسعادة، فإن كلمة سعادة فى اللغة الانجليزية هي عبارة عن  شعور وعاطفة ولكن كلمة سعادة التى نعنيها فى حديثنا الآن ليس المقصود بها الشعور والعاطفة فهي ترجمة سيئة للمعنى المقصود حسب الفلسفة البوذية، وهي تستخدم بذلك المعنى لترويج و بيع نسخ كثيرة من الكتب كما أن ذلك النوع من السعادة هو معتمد  اعتماد كامل على الأسباب و والاشتراطات والظروف، مما يؤدي في آخر المطاف إلى المعاناة وهذا لأن ظروف الحياة تتغير بإستمرار. والسعادة كعاطفة وشعور هي في أساسها معاناة. ولذلك فيَكمُن مفهوم السعادة الحقيقة والتي نحن بصدد الحديث عنها فى ارتباطنا مع شيء لا يعتريه تغيير أو تبديل وهو وعينا الأصلي  وطبيعتنا الأصلية. وهذا لا يعتمد على أي ظروف واشتراطات. وبهذا، فيمكننا أن نعيش تلك السعادة الحقيقية حتى و إن كنا فى أسوأ الظروف أو حتى فى منتصف اي معركة. ففي السعادة بهذا المعنى صفة من الثبات والقوة والارتباط وهذه يشار إليه باللغة السنسكريتية سوكا sukha أي هذا النوع من السعادة. وفي مسارنا على طريق الاستنارة، يتطور مفهومنا إلى أن نصل للادراك الكامل وعندها يكون اتصالنا بهذه الحالة ثابتا، فالذي يتغير إذن هو مدى ارتباطنا واتصالنا بحالة السعادة هذه. فثمار المسار الروحاني لا تتغير وهذا ما يُطلق عليه النور.

والصفة الثالثة غير المحدودة هي البهجة والفرح حيث أن ممارسة البهجة تعتبر أسرع وأسهل الممارسات بل وأكثرها تأثيرا علينا . حيث يشير  الابتهاج ، إلى عدة أمور مثلا فإننا يمكننا أن نبتهج من من أجل أننا وجدنا المسار الروحي وأننا وجدنا تعاليم موثقة وحقيقية، أو الابتهاج لأننا أحياء،  أو حتى نبتهج لما لدينا من مشاكل وذلك لان مشاكلنا تشجعنا لكي نسعى و نتحرك نحو الأمام. الابتهاج من أجل أمور بسيطة. كما تتجلى أهمية البهجة أيضاَ فى وجودها كترياق أو دواء،  خاصة عندما نبدأ بالنظر لممارسة المحبة واللطف على أنها عبء أو واجب أو “مشروع إصلاح العالم والناس” . والبهجة خفة، وتعني أيضا البهجة من أجل سعادة الآخرين sympathetic joy فإن كان هناك ممارسة كفيلة بإحداث نقلة سريعة فى حياتك الروحية، فإنها ممارسة الابتهاج عندما نرى شخصا ما سعيدا. وبهذا يجب ان نبتعد و نتوقف عن كل صور الحقد والغيرة إذا ما سمعنا خبرا سعيدا عن أي شخص. فعادة ما نشعر بالنكد لرؤية سعادة الآخرين، مثلا عند رؤية مجموعة من المراهقين في لهو ومرح، أو عندما يربح أحد الأشخاص اليانصيب فنشعر بالأسف لماذا “ليس أنا” بدلا من البهجة ومشاركتهم مشاعر الفرحة. فهذا مما يستحق التدريب الذهني.

 

 

و أما بالنسبة للصفة الرابعة فهي تعتبر في العديد من التقاليد البوذية على أنها الأساس  بمثابة الخيط الذي يؤدي الى كل الفضائل السابقة، و هي صفة الاتزان الذهني. كما تأخذ صفة الاتزان عِدة صور، فهي تشير إلى الذهن المتزن، فالذهن غير المتزن ملوث بالرغبة والنفور فيريد هذا وينفر من ذاك،  والتخلص من ذلك يؤدي للاتزان. فعلى سبيل المثال يجب علينا ان نتحلى بعقل متُّزِن لكي نتحرر كبشر من الغضب و العنف والتعصب. ولذلك فنحن نتدرب ونتعلم ونتحدى أنفسنا، فالدافع هنا هو الرأفة والشفقة، كما يعني أيضأ الاعتدال: الاتزان  بأن اهتمامنا موجه نحو كل الكائنات جميعا، ليس فقط الأشخاص الذين نحبهم أو الجِراء والقطط التى نربيها في المنزل. ومن أجل بلوغ ذلك فيلزمنا التدريب على ممارسة تلك الصفة. فلا يمكننا القفز الى تلك المرحلة مرة واحدة. ولهذا فإنه من السهل ان نحب ونهتم بمن يحبونا فقط، وهذا أمر جميل ولطيف أيضا وهنا يَكمُن نُبل الشخص الذي يطلق عليه لقب “البوديساتفا” حيث انه يمتلك الشجاعة للسير فى ذلك الطريق الروحي وممارسة هذه الصفات العظيمة. ولهذا, فلك أن تتخيل عندما تمارس الحب و الرأفه تجاه الأشخاص الذين لا تعرفهم وحتى  الأشخاص الذين لا تربطك بهم أي صلة، بل و من لا تستلطفهم أيضا، إنها حقا لرحلة مثيرة للإهتمام و قابلة للتنفيذ. كما تعني أيضا هذه الصفة بأننا لا نفقد لطفنا تجاه الأشخاص الذين لا يتقبلون وِدَنا تجاههم بقصد إفادتهم سواء كان على شكل نصيحة أو مساعدة. فعلى سبيل المثال، إن كنت طبيبا فلا يمكنك أن تصيح فى وجه مريض و تطرده من عيادتك إن وجدته لم يلتزم بتناول  الدواء الذي وصفته له المره السابقة مما أدى الى عدم تحسن حالته. إنه حقا لتصرف غير مهني بالمرة، أليس كذلك؟ فإن هذا هو ما يعني أن تكون “بوديساتفا”، صفة الاتزان. لكن هذا يتطلب التدريب ولهذا فمن الضروري أن تدرب نفسك على ذلك جيدا. فإنه سلوك لا يتم إتقان ممارسته في ليلة و ضحاها بل من الممكن أن يحتاج إلى 20 عاما.

والبوديتشياتا المطلقة يمكن لمسها والتواصل معها في أي لحظة، ولنأخذ مثالا بسيطا على ذلك، عندما ترى شخص عزيز جدا عليك أو حتى الحيوان الأليف عندك في المنزل يتقافز بمرح، تشعر بلحظة من الاتساع الرحب والانفتاح في ذهنك  للحظة وثواني قبل أن يبدأ ذهننا بالتحليل والتفكير وإصدار الأحكام حول مدى روعة هذا الحيوان الأليف أو ذلك الشخص العزيز، فتضيع منا لحظة الانفتاح والاتساع الذهني وتتلاشى وسط ضوضاء الذهن الذي يبدأ بالتحليل والتفسير، فهذه هي البوديتشيتا المطلقة أي الذهن المملوء و المفعم بالرأفة والشفقة ولا يعتريه التفكير بالمفاهيم وغيرها،  فكلمة المطلق هنا تشير لتلك الحالة من الاتساع دون تشبث الذهن بالمفاهيم والتفكير.

الرأفة والشفقة تبدأ عندما نرى كائنا ونتمنى أن يكون سعيدا وحرا،  ثم يتحول ذلك مع التقدم في المسار إلى رغبة بتحرير الجميع من المعاناة ثم يتحول بعد ذلك لإشراق ونور ودفء بالكامل، وكأن القلب ينفتح تماما،  وهذا ما نشعر به في حضور المعلمين الكبار والمستنيرين. ولكن من المهم الدراسة والتعلم والتوجيه الصحيح لأن هذا الشعور يكون فيه إحساس لاذع وقد يخلط فيه المرء بين الاكتئاب والحزن ويفقد البهجة والتي هي الصفة الملازمة لهذا الانفتاح العظيم للقلب. فقد تشعر عندما ينفتح قلبك أن العالم مليء بالمعاناة وأنه على حافة الانهيار وبذلك تدخل في دوامة الاكتئاب …إلخ ولهذا من الضروري أن يكون لديك معلم يوجهك ويفسر لك ما يحدث بالفعل.

وكما يقول العلامة تشوغيام ترونغبا رينبوتشي Chögyam Trungpa :”إذا كانت الدموع في عينيك، ولكنك تنهض وتعمل كوبا من الشاي، فهذا يدل أنك قد درّبت نفسك جيدا.”