في مديح المعلم

 

كتابة أرجن براندي

تحرير فريق دارما بستان

 

أتذكر  معلمِيَّ كثيرًا. في أحداث يومي  المختلفة تحضر صورتهم وكلماتهم وتوجيهاتهم. أشعر بالامتنان وقد ملأني. كم كنت محظوظًا لمقابلة مثل تلك الكائنات السامية.

لقرابة  ثلاث سنوات وأنا لدي عائق شديد في الكتابة. الأفكار  في ذهني، ولكني لا أشعر بالرغبة في كتابتها. لربما الجدية التي يأخذ بها بعض الأصدقاء ما أكتبه أشعرني  بمسؤولية ضخمة على عاتقي. كيف لي أن أتأكد من أني لا أمزج السم بالعسل. عندما بدأت دراستي بالدير، وجدت أن فهمي كان ملتبسًا للكثير من النقاط في البوذية. تلك النقاط كنت أكتب عنها بثقة مطلقة، هذا ما كنت  أعتقده فعلًا حينها. ولكن، بعد ما بدأت في الدراسة، صرت أتخوف من أني لربما قد أكون ساهمت في وضع بذور فاسدة. لم أستطع أن أحدد بالضبط أين موضع تلك البذور بمقالاتي السابقة، وإلا لقمت طبعا بتعديلها، ولكن ملاحظتي لأخطاء بعض مفاهيمي التي كنت أعتقد في صحتها جعلني أتخوف، ماذا إذا كتبت شيئًا الآن واكتشفت خطأه لاحقًا. ما كتبته يمكن أن أعدله أو أحذفه، ولكن كيف يمكنني أن أعدل ما وصل للآخرين بالفعل. ولهذا، توقفت عن الكتابة  مما يقرب من ثلاث سنوات.

تتحدث النصوص البوذية عن مصطلح لم أجد طريقة  لترجمته، يُترجم في الإنجليزية إلى “البركة”، ولا شيء أجده غير مناسب مثل تلك المصطلحات، بركة، دعاء، صلاة، تطهر، إلخ. ليس فقط لاختلاطها بموروث ديني وثقافي  في لغتنا العربية، ولكن لأنها بعيدة كل البعد عن المعنى الأصلي للمصطلح السنسكريتي.

يرتبط مصطلح “البركة” أو “المباركة” بالعلاقة مع المعلم. المصطلح السنسكريتي الأصلي إذا حاولنا فكه سيكون أقرب إلى “موجات من الطاقة الإيجابية”، ويجب أن أحذر هنا بأن كلمة “طاقة إيجابية” ليس لها أدنى علاقة بما تروج له مدارس الروحانيات الحديثة. فالأمر ليس كأن أحدهم ينقل شحنة من طاقة ما لنا.

المثال الأقرب لفهمي الحالي، وأؤكد هنا على “فهمي الحالي”، هو ما اختبرته بشكل شخصي أثناء فترة دراستي المدرسية. أنا لم أكن تلميذًا متفوقًا طيلة الوقت. كانت دائمًا ما تنقصني الهمة. الشرود الذهني كان حالة دائمة. ونادرًا ما كان شيء يثير اهتمامي فيما أدرسه. الحالة الوحيدة المختلفة هي عندما كانت لدي علاقة خاصة بأحد المدرسين أو المدرسات في المدرسة. حينها كانت تملؤني طاقة خاصة للعمل على دراستي، لأن أجتهد، لأن أتفوق. كان هذا المدرس أو المدرسة قادرون على إلهامي ودفعي وشحني. في النهاية أنا من كان علي أن أجلس وحدي بغرفتي لأدرس. ولكن أثناء دراستي، عندما كان يصيبني التعب والإرهاق، أو الملل، كان حضور صورة هذا المدرس أو المدرسة بمثابة محفز لي لكي أبذل المزيد من الجهد، كي أستعيد طاقتي مرة أخرى لأجل أن أعمل أفضل ما عندي، وأحيانًا كثيرة، أعمل أفضل مما عندي.

هكذا أفهم الآن، وأشدد على كلمة “الآن”، هذا المصطلح. والذي ليس فقط إلهاما – وإن كانت هذه هي طريقة ترجمتي له الآن – لكنه أكبر من مجرد إلهام، هو إلهام خارجي، ودافع داخلي، ومُعزز للرغبة في العمل، وطاقة دافعة للعمل بالفعل. قد تُلهمني قصة حياة أحد المعلمين العظام، ولكن لا أحرك ساكنًا للقيام بشيء. هذا المصطلح يشمل كل ما هو إضافي لهذا الإلهام والذي لا تشمله كلمة إلهام. ولهذا، للآن، لم أجد مصطلحًا يعبر عن كل هذا.

كان لدي في البداية، ولأزمتي الشخصية مع أبي، تصور مشوه عن دور المعلم. كانت الصورة التي لدي هي مزيج من “مياغي” في فيلم فتى الكاراتيه، على العديد من الصور المأخوذة عن أفلام الكارتون التي كنت أشاهدها في طفولتي. هذا الكهل الحنون الطيب الذي سيأخذني تحت جناحه ويوجهني بحب أبوي ويرعاني في طريقي. هذا ليس المعلم المؤهل. كثيرًا ما كنت أشعر أن  معلمِيَّ يعاملوني مثل جثة كلب نتنه، يحركوني عن بعد بعصا ليضعوني في المكان الملائم، على جانب الطريق. من منظوري الشخصي كنت أعتقد أن هذه طريقة جافة كريهة في التعامل معي. في الحقيقة هم لم يعطوني ما كنت أرغب فيه، هم كانوا يقدمون لي ما أحتاجه حقًا، وهناك فارق ضخم بين ما أرغبه وما أحتاجه. فما كنت بحاجة إليه هو أن أنضج، أن أنمو، أن أتلقى التوجيهات والتعاليم وأتعلم كيف أستمد منها الحلول لحياتي، لا أن أنتظر مثيل الأب ليخبرني عما يتوجب علي أن أفعله  في حياتي. المعلم المؤهل لا يُنمي اعتمادية التلميذ عليه، ولكنه يساعده على أن ينضج بنفسه ويعتمد على نفسه.

في أحد المرات، بعد تلقي التعاليم، طلبت  الإذن لكي أدخل على المعلم من أجل أن أوجه له سؤالا ما. فتحت باب الغرفة وقلت  مستئذنا في الدخول: “معلمي، لدي مشكلة وكنت بحاجة لمعرفة رأيك بها”. نهرني بكل عنف قائلًا: “أنت تتلقى التعاليم، إذا لم تجد  في التعاليم التي أقدمها لك الآن حلًا للمشكلة التي لديك فليس لدي شيء إضافي أقدمه لك”. سرت في الشارع وأنا تعصف بي المشاعر السلبية، من إحباط  مما فعل، وغضب عليه، إلخ. قابلت بالصدفة صديقًا شخصيًا أنظر له أيضًا كأحد معلمِيَّ. ذكرت له ما جرى وأنا أشعر بحنق وغضب شديدين، قاطعني وسألني بشكل واضح: “هل تثق  بأنه مُعلم مؤهل؟” قلت “نعم”، قال لي، “إذًا عليك أن تثق بأنه يُعلمك شيئًا مهمًا”.

تطلَّب الأمر الكثير من الوقت لأفهم ما حدث. المعلم ليس دوره أن يخبرني كيف أحل مشاكلي، إذا ساعدني في حل المشكلة الحالية، فلن يكون موجودًا ليحل لي مشكلتي التالية. هو دوره أن يقدم لي التعاليم، وعلي أنا أن أتعلم كيف أستخرج الحلول منها بنفسي ولنفسي. ما أن تملكت الأداة، والتعاليم، علي أن أنضج. من حينها، لم  أسأل أحدًا عن حل، بل أسأل نفسي عن التعاليم التي تنطبق على هذا الموقف؟ وما هي الأدوات التي علي أن أطبقها في مثل هذا الموقف؟ ثم أنفذ الحل.

ولكن كل هذا لا ينفي امتناني الهائل  لمعلمِيَّ. حبي تجاههم لا يمكنني أن أصفه لهم. كما قلت في البداية،  في كل موقف من حياتي يحضرني أحد تعاليمهم. لا يجب أن تكون تلك التعاليم شفهية، يمكن لجملة قرأتها  في كتاب أن تغير منظوري للموقف الذي أنا فيه. في هذه اللحظة أكون واعيًا بشدة لامتناني لهذا المعلم الذي كتب تلك الجملة. كيف أنه لطيبته غير المحدودة قد حقق نفعًا لي وللكثيرين، ليس فقط هؤلاء  الذين هم حولي والذي كانوا سيتأثرون بشكل سلبي إذا أساءت التصرف تجاههم في هذا الموقف، ولكن لكل شخص كان محظوظًا كفاية لأن يبذل الجهد ليقرأ له، وليتعلم منه، وليفكر ويتدبر فيما تلقاه، وحاول تطبيقه بالفعل.

دائمًا ما أحاول أن لا أمزج الطرق غير البوذية بالبوذية. بعلم النفس الإيجابي ومدارس التنمية الذاتية، يتحدثون عن إعداد ما يُطلق عليه “قائمة الامتنان”. حذرني أحد  معلمِيَّ كثيرًا من اتباع مدارس الروحانيات الحديثة. بعد فترة طويلة فهمت سبب تحذيره لي. إذا قمت بإعداد مثل تلك القائمة فقط أشعر بالرضا عن حالتي الراهنة، والذي هو ليس  شيئا سيئا في حد ذاته. ولكن إذا اكتفيت بهذا فقط، فإن مجرد الامتنان لوضعي الراهن، والسعادة بما لدي والرضا عنه فقط، فسأكون حينئذ مثل التاجر الذي جمع ثروة وجلس ليصرف منها، ستنتهي حتمًا. إذا لم أستثمر ما لدي الآن لتحقيق المزيد من أسباب الحصول على الظروف المواتية للتدرب، فسأكون مثل هذا التاجر. الظروف ستتغير حتمًا، ما لدي الآن سينتهي حتمًا، ليس هناك  شك في هذا. لذا علي دائمًا أن أعمل على بناء المزيد من الأسباب التي ستضمن لي أن أحصل على المزيد من الظروف المستقبلية المواتية لأكمل رحلتي.

لذا، عندما ترد  في ذهني كلمة “امتنان”، سواء  لمعلمِيّ، للتعاليم التي تلقيتها منهم، ولظروف حياتي التي سمحت لي بالسفر وتلقي التعاليم، لكل شيء حدث بحياتي، الجيد منها والسيئ، والذي ساعدني على بناء ما يلزمني من  أسباب داخلية وشروط خارجية لأجل أن أحظى بكل ما لدي الآن. أضع كل امتناني هذا في سياق التعاليم الخاصة بالميلاد البشري الثمين.

تتحدث التعاليم الخاصة بالميلاد البشري الثمين عن قائمتين. الأولى الحريات، وهي تلك الحالات السلبية التي نحن  أحرار منها والتي إن كانت لدينا لكانت عائقًا أمام تدربنا الروحاني، والثانية المُعززات، وهي تلك الحالات الإيجابية التي لدينا والتي بحصولنا عليها أصبحت لدينا  ظروف إيجابية للاستمرار بتدربنا الروحاني.

بدون الدخول في تفاصيل تلك القوائم، الفارق الجوهري بين مدخل مدارس الروحانيات الحديثة والمدخل البوذي هو  أننا لا ننظر فقط بامتنان لحظنا الطيب في حريتنا من الحالات السلبية وامتلاكنا للمعززات، ولكن نكون واعيين بما يضعه هذا على كاهلنا من  مسؤولية للعمل والتقدم على مسارنا الروحاني. الامتنان هو خطوة أولية لاستحضار العزيمة وليس فقط شيئا نسعى له .

الامتنان للمعلم هو خطوة أولية، يعقبها بناء الإلهام، والرغبة، والتوق لأن نحظى دائمًا بفرصة علاقة طيبة مع جميع معلمينا، مع جميع المعلمين المؤهلين. يصبح الامتنان هنا ليس فقط سببًا للسعادة الداخلية، ولكنه يصبح في حد ذاته أحد عوامل بناء الصلة بالمعلمين، صلة نسعى  جاهدين أن تستمر لحيوات قادمة حتى وصولنا للاستنارة.

في حالتي الخاصة، الآن وفي هذه اللحظة، كان حضور هذا الامتنان بداخلي هو المُعزز لأن  أعود مرة أخرى للكتابة. لأن أتغلب على خوفي من تحمل مثل تلك المسؤولية. ففي النهاية، من جانبي، علي أن  أهون من الأمر قليلًا، فأنا في النهاية أشارككم فقط بخبرتي الشخصية، ، ومن جانبكم، رجاءً، لا تأخذوني كثيرًا على محمل الجد!