الوجود البشري الثمين

 

هذه التعاليم عبارة عن مقتطفات من ( Mountain Dharma ) التي قدمها الموقر ( Khenpo Damcho Dawa ) في معتزلات (  Samye Ling) الروحية , 2011

ترجم هذه التعاليم ونقلها الى اللغة الإنكليزية : Ken Holmes

ترجم هذه التعاليم ونقلها الى اللغة العربية : لؤي خضر (Karma Paldhen Dawa

 

النقطة الأساسية التي سنتكلم عنها هي الوجود البشري الثمين وهو الوجود الأكثر قيمة والأكثر فائدة إن شئنا التعبير، توضح السوترات هذا بشكل لا شك فيه كما يتم شرح ذلك عبر مجموعة عوامل تؤكد أهمية هذا الوجود ( الوجود البشري ).

إذا كنا ممارسين للدارما فمن المحتمل أننا ( ملتزمون ) بممارستها. للأسف أحيانا نقول أننا نريد أن نمارس التدريبات الخاصة بنا لاحقا ثم يبدأ التأجيل، وتستمر هذه الفكرة وتصبح معقدة وطويلة حيث لا ينتهي التأجيل،  فاليوم نقول في الغد وفي الغد نقول بعد غد وهكذا. إن ممارسة التدريبات الخاصة بتطورنا الروحي هو أمر هام للغاية، إن التاجيل لا ينتهي، اليوم سنقول غدا وفي الغد سنقول بعد غد، ثم يأتي الموت، بعد الموت إن كان لك حياة بشرية فهذه فرصة جديدة لك كي تعود وتنظم ممارسة تدريباتك، ولكن للأسف لن يكون هناك وجود بشري أو الفرصة للولادة بنفس المستوى الذي يمكننا من ممارسة مانريد او من التدرب على الدارما إن لم نستغل هذه الحياة ( الحياة الحالية ) بالشكل الجيد والأمثل.

ليس الخطأ أننا نقوم بالتأجيل والتسويف ( سوف أتدرب غدا، سوف أقوم بأمور هاما غدا .. الخ )، بل أننا نؤجل أسمى ما يكون وهو التدرب على التطور الروحي والتحرر ( الدارما ). وللأسف عندما نسأل أنفسنا لماذا نفعل هذا ؟ فغالبا مايكون سبب التأجيل والتسويف الذي نقوم به لممارسة أعمال  دنيوية تحتوي على ضرر كارمي، وهذا مايعني بالضبط اننا لسنا فقط نقوم بتأجيل ماهو هام وأساسي، بل بتهيئة أسباب إعادة الميلاد في عوالم المعاناة!

لذلك عندما يكون لدينا فكرة أو عقلية ( هذه حياتي )، ونظن أن هناك الكثير من الوقت، في الحقيقةمن الضروري  أن ندرك أن الحياة البشرية أو تحصيل هذه الفرصة هو أمر نادر الحدوث فكما ورد في (Bodhicharyavatara) أن الميلاد البشري  أشبه بوجود حلقة خشبية تطفو في المحيط وأن هناك سلحفاة عمياء تطفو أيضا وتحاول أن تدخل رأسها بتلك الحلقة، فما احتمال أن يحدث ذلك؟ وكم هو أمر نادر الحدوث؟ إنه أمر نادر حقا، ليس نادرا فحسب بل ربما شديد الندرة.

أما الحياة المستقبلية أو ( الحياة التالية ) فمن الصعب أيضا الحصول على حياة ثمينة، فنحن لا نعرف شيئ عن حياتنا السابقة ولكن في الواقع إن أردنا التمكن من المعرفة عن الماضي والمستقبل فلا بد من معرفة حقيقة أنفسنا من نحن حقا ( الآن ).

لقد تعرّفنا على الدارما ( تعاليم التحرر )،  وأي من الصفات نحمل. هذه الفرصة في التعرف على الدارما لا بدا أنها شيء جيد ناتج عن عمل جيد في حياتنا الماضية، يمكننا أن نقدر هذا، ولكن وفي الوقت نفسه الى أي مدى نرى أهمية ذلك من خلال تدارك الوقت واستيعاب أفضل للدارما، وكيف يجب أن نقوم بالتأمل أيضا وجني الثمار من هذا التأمل. في بعض الأحيان هذا الفهم ليس سهل. لدينا كارما جيدة، نعم، هذا جيد، ولكن لدينا الكثير من التشبث بارائنا، ولدينا أيضا الكثير من الغرور والتفكير الأناني والغضب والكثير من السموم النفسية والروحية، وكل هذا هو نتيجة أفعالنا في الحياة السابقة والطريقة التي تصرفنا فيها يمكننا ببساطة أن نعرف الكثير عن ماضينا وذلك إن بدأنا بفهم أنفسنا على حقيقتها – الآن.

الآن فقط، إن كنا نريد ان نعرف كيف ستبدو حياتنا المستقبلية، يجب علينا تقدير مالدينا وفهمه واستثمار ( رأس  المال ) الذي حصلناه من حياتنا السابقة. إن تقدير الوجود البشري الثمين يمكن أن يصبح عادة لدينا، ويمكن أن نوضح ذلك بمثال:إن الناس المهتمين بشدة في مجال الفن لمجرد أن يروا عملا فنيا مميزا وهاما يحللونه بسرعة ويقدرون قيمته ويحترمونه، كذلك في التدرّب الروحي من الضروري  أن نزرع في أنفسنا عادات تحررنا وأيضا ان نبذل قصار جهدنا في تحقيق العديد من الأهداف السامية، فهذا سيضمن لنا وجود حياة بشرية لاحقة ولكن إن أبقينا على العادات السلبية وقمنا بتغذيتها فإنها للأسف ستقوم بسحبنا للأسفل اكثر واكثر.

صحيح أنه من النادر الحصول على الحياة البشرية ولكن إن كان في قلبك شفقة ورأفة متوهجة وغير محدودة وفي فكرك الوضوح الكافي لفهم الحياة وأهمية التدرب والتحرر فهذا سيضمن لك بعض الشيء الحصول على حياة مستقبلية ثمينة، من المهم أن نغني أنفسنا دائما أنها حقا ثروة وضمان لمستقبل الحيوات القادمة.

إذن علينا أن ننظر إلى ما نفعله الآن، في هذه الحياة، ما الذي يتعين علينا القيام به من أجل الحصول على الحياة القادمة كوجود بشري ثمين؟ هذا واضح الآن . ما نحتاج إليه هو أن نعيش بطريقة نقيّة وأخلاقية للغاية، أو مانسميه بـ السلوك الصحيح، ما نحتاج إلى فعله هو مراعاة العهود التي اتخذناها على أنفسنا ، ما يتعين علينا القيام به هو تطوير العطف والرأفة والشفقة، وممارسة ” الاكتمالات الستة ” six perfections وما إلى ذلك.

هذه كلها أسباب تؤدي إلى الولادة من جديد كإنسان. لذا، إذا لم يكن لدينا رأس المال من الماضي، وإذا لم نكن نقوم بالعمل الضخم والجهد الكافي الذي يتطلبه الأمر الآن، فمن أين سيأتي هذا الوجود الإنساني في المستقبل الافتراضي؟

 لهذا السبب ، نحتاج إلى جعل حياتنا الإنسانية حياة ذات معنى. فلا أحد يعلم متى يموت فليس لدينا وقت محدد للمغادرة؛ لذا يجب أن ننظر إلى قيمة هذه الحياة وكيف يجب أن نستثمرها بالفعل بالشكل الأفضل.

وكما شرحت سابقا بما يتعلق ( بالدوافع ) التي يجب أن تكون لدينا عند حضور التعاليم، يجب أن نعرف أن لدينا الكثير من المشاكل والأمراض والسلبية وأن نبحث عن العلاج، والمعلم أو المستنير هو المعالج لقد مرت الكثير من الأوقات التي كانت فيها ولادات بشرية وهي دائما ثمينة لأن هناك ماهو بداخل كل انسان كالجواهر والأحجار الكريمة ولكن من الصعب الكشف عنها. أما نحن في هذا العصر فهناك مستنير كامل ( بوذا ) قام بإيضاح التعاليم للتحرر بالشكل الكامل والأمثل وليس فقط هذا بل إنها تعاليم حية، وهناك العديد من الأصدقاء والمعلمين وعلاوة على ذلك إن لدينا الميل الصادق كممارسين للتعاليم الثقة والطموح ولدينا هذه الجوهرة ( الدارما ) التي تفي بالغرض والتي تجعل حياتنا ذات مغزى.

إن ما يجعل هذه الحياة ثمينة حقا هي الفرصة لممارسة التعاليم وتطبيقها وعيشها. لكن للأسف أحيانا هناك أشخاص لديهم آذان ولكن لا يستطيعون السماع وهناك أشخاص لديهم عيون ولا يستطيعون النظر، أما نحن لدينا التعاليم ولدينا هذه الفرصة البشرية الثمينة لوضعها بشكل فعال وفي حيز التطبيق وهذا جانب من اهم جوانب هذا الوجود البشري العظيم.

إذن نحن بشر لدينا الدارما ( التعاليم التي سوف تحررنا) لدينا الميل الكافي لفهمها واستيعابها، نحن على قيد الحياة، إن كل هذا يشبه الوعاء الذهبي، حقا نستطيع الحفاظ عليه وأن نزرع فيه رحيق الدارما ونستطيع أن نضع فيه كل ما هو سام وقذر مما سيجلب العار لنا عاجلا أم آجلا.

إن النقطة الأهم التي يجب أن أشير لها في أهمية ونفاسة هذا الوجود البشري الذي نحياه هو أهمية اللحظة الحالية فلا نعرف متى سنرحل لذا علينا الاستفادة القصوى من هذه الفرصة وأن لا نضيع ابدا أي لحظة من هذه الحياة الثمينة.