طاقة الغضب … في أصلها طاقة نقية وقوية .. في جوهرها حكمة –  

ميلفن مكلويد

ترجمة وتحرير موقع دارما بستان

 

المصدر:

من مجلة Lion’s Roar الإلكترونية

The Wisdom of Anger BY MELVIN MCLEOD| AUGUST 15, 2018

 

يقول ميلفن مكلويد Melvin McLeod بأنه إذا عرفنا كيفية استخدام الغضب والتعامل معه، تصبح عندها طاقة الغضب طاقة قوية فيها شدة ورأفة وشفقة. فحتى الذين وصلوا مرحلة الاستنارة أو حالة بوذا فإنهم يغضبون أيضا بسبب المعاناة والظلم في العالم.

الحامي “فاجراسادا”Vajrasadhu، لوحة رُسِمَت بواسِطة المعلم “تشوغيام ترونغبا رينبوتيشي “. تم إستخدام اللوحة بموافقة زوجته “ديانا .ج  مكبو”

 

 

 

هل يُعَد الغضب بمثابة استجابة  مناسبة تجاه المعاناة والظلم؟ أم هو مجرد سبب وراء  المزيد من الصراعات وهل يُعتَبر استخدام الغضب مهارة أم أنه لا يُعَّد مهارة وهل يساعدنا أم يسبب الضرر؟

مع الكثير من الأحداث المؤسفة التى تحدث فى عالمنا في هذه الأيام، هناك الكثير من الآراء حول الدور المناسب للغضب. ربما تَكّمُن الإجابة فيما تميز  فيه البوذية بين الغضب والعدوانية.

فوفقاً للبوذية، تُعتبر العدوانية هي واحدة من “السموم الثلاثة ” التي تتسبب في معاناتنا. وبمجرد أن نأخذ لمحة بسيطة حول حياتنا والمجتمع و التاريخ الإنساني، فسوف نجد بلا أدنى شك بأن العدوانية هي السبب الأعظم وراء المعاناة.

و كما هو الحال بالنسبة الى النوعين الآخرين من السموم – وهما الجهل والرغبة الشديدة أو التعطش – فإن الأنا أو الإيغو هي وراء العدوانية. فتُعتبر العدوانية هي طاقة الغضب الموَّظفة من أجل خدمة كل ما نعرفه بأنه ” النفس” مع جاهزية لمهاجمة أي شخص وأي شخص من الممكن أن نعتبره تهديداً. ولكن عندما يتم تحرير الغضب من توظيفه لخدمة الأنا، فسوف يتوقف الغضب حينها فقط عن كونه عدوانية و يتحول ببساطة الى طاقة.  فالطاقة النقية للغضب فيها حكمة وقوة لدرجة أنها قابلة للإستنارة .

 

“البوذات ” Buddhas يغضبون

 

حارس المعبد فى مَدخل معبد “هوري جي” بمدينة نارا باليابان . صورة بواسطة “ليزا ماثيوس”

 

لا تقتصر طبيعة من وصل لمرحلة بوذا حول الحب والنور فقط كما يحلو لنا دائما أن نتخيلهم. بالطبع، إن  ذهنهم المستنير قائم على السلام التام، ولكننا نجد أن الرأفة compassion تنشأ تلقائياً في ذلك الفضاء الرَحِب بداخلهم. كما أن لتلك الرأفة عدة مظاهر. إحدى مظاهرها هي الطاقة النقية للغضب.

فإن الغضب هو القدرة على أن نقول “لا”. فهذا هو رد فعلنا الفطري متى رأينا شخصاً ما يُعاني – فإننا نريد ان نوقف تلك المعاناة. كما يقول من وصل لحالة بوذا “لا” للسموم الثلاثة التى تؤدي للظلم. فإنهم غاضبون من أجل معاناتنا كما يريدون بكل سرور أن يقضوا على أسباب تلك المعاناة. فإنهم ليسوا غاضبين مِنًّا، ولكنهم غاضبين من أجلنا. فوفقاً للتقليد، يُقال بأن الرأفة عند من وصلوا لمرحلة  بوذا أو الاستنارة تُعَّبِر عن نفسها من خلال أربعة أنواع من الطاقة. حيث يُطلَّق عليها “الوسائل الماهرة”skillful means وهي الطُرُق المختلفة لتطبيق الحكمة والرأفة من أجل إزالة المعاناة.

 

أولاً، يُمكِن للمسنيرين أو البوذات أن يهدأوا و يساعدوا الكائنات التى تعاني و ذلك من أجل إطفاء نيران العدوانية والتعطش والجهل. فالبوذا المعروف بيننا هو الذي يظهر في حالة السكينة والذي يقوم بالتهدئة حيث تجلب صورتة إحساس السلام لملايين الناس حول العالم.

 

” تعتبر طاقة الغضب في شكلها النقي واليقظ وغير القائمة على الأنا والإيغو سبب في الكثير من الخير والطاقات البناءة في العالم”

و لكن في بعض الأوقات نحتاج للمزيد. وذلك حتى يستطيع المستنيرون إثرائنا بالإشارة إلى ثروة الموارد التى نمتلكها كبشر وشفاء شعورنا الداخلي بالنقص. وبذلك، إذا لزم الأمر، بإمكانهم أن يقوموا بِجَذبنا وإغرائنا لكي نبتعد عن معاناة “الأنا” ونعيش بهجة طبيعتنا المستنيرة والمتأصلة فينا.

 

وثالثا وأخيراً، توجد بعض الأوقات التي يكون فيها مفهوم الرأفة والشفقة هو التدمير، بأن تقول للمعاناة “توقفي” . بأن نقول “أفيقوا” للطُرق التى يخدع بها الناس أنفسهم. بأن تستخدم طاقة الغضب بأن نقول “لا” ! لكل الأنانية والاستغلال والظُلم.

 

يُمكِن لطاقة الغضب في شكلها النقي واليقظ وغير القائمة على الأنا والإيغو سبب في الكثير من الخير والطاقات البناءة في العالم. ففي حياتنا الشخصية، يساعدنا ذلك على أن نكون صادقين حول ما نفتقر اليه كما يساعدنا أيضاٍ على التحلِّي بالجرأة لكي نساعد الآخرين في رؤية كيف يتسببون بالأذى لأنفسهم. وعلى نطاق أوسع، فإن الغضب هو تلك الطاقة التي تُلهِم الحركات العظيمة من أجل الحرية والعدالة الإجتماعية، والتي نحتاجها بشدة في الوقت الحالي. كما أن هذا هو الجزء الحيوي لكل مسار روحي، فقبل أن نقول “نعم” للاستنارة ، فيجب علينا أن نقول “لآ” للسموم الثلاثة أولاً .

 

فتُعَّد طاقة الغضب طبيعة متأصلة فينا طبيعتنا، حيث لم يَعُد بإمكاننا  قول نعم دون قول لا، مثل أنه لا يوجد نور بلا عتمة. ولذلك فإننا نحتاج الى إيجاد طريقة للتعامل مع طاقة الغضب لكي لا تتجلى على هيئة عدوانية، وكذلك إيجاد طُرُق للإستفادة من الحكمة المتأصلة فينا. كما أننا نحتاج لفهم عميق حول مصدر الغضب، بالإضافة إلى مسار عملي للتعامل معه . وحيث يبدأ هذا المسار تبدأ كل أشكال الشفاء.

المسار

أولا، لا تؤذي

 

بالرغم من  أن معظمنا قد لا يكون عنيفاً على المستوى الجسدي، لكننا نقوم جميعاً على الأغلب بجرح الآخرين من خلال الكلمات العدوانية والمشاعر القاسية. والمؤسِف فى ذلك أن أكثر من نجرحهم هم ممن نحب. فقد  نَقبل أو نُقّدِم دعم ضمني للشرور المُجتمعية والظُلم من خلال صمتنا واستثماراتنا ، أو حتى عاداتنا الاستهلاكية.

 

تُقَدِّم البوذية، كما الحال في جميع الفلسفات والأديان، إرشادات لمساعدتنا في كبح جماح أنفسنا. فربما قد لا نكون من مُحِبِّي القواعد و القيود، ولكن يجب أن نعرف بأن الأخلاق والآداب واللُّطف التي  علّمها “بوذا” مباشرة هي إرشادات لكي نمتنع عن فعل الأذى.

وينطبق مبدأ السلوك السليم على كل أفعال الجسد، والقول ، والفِكر. حيث يكون دليلنا في ذلك اللُطف والوعي الداخليين،  فنراقب ما ينشأ في الذهن لحظة بلحظة، ونختار الصحي منه مِثل حالة السلام، ونتجاوز ما هو غير صحي مِثل العدوانية.

 

وتُعَلِّم البوذية أساليب  تأمل مُفيدة، وذلك حتى لاتستولي علينا  المشاعر المتضاربة مثل العدوانية. حيث تسمح لنا تلك الأساليب باستغلال فرصة ملاحظة وجود الفجوة القصيرة في ذهن بين الدافع والفعل. فمن خلال ممارسة “الحضور الذهني ” نصبح على دراية بالدوافع الناشئة داخلنا ونسمح بوجود مساحة يمكننا من خلالها التفكير فيما إذا كنا نريد التصرف وكيفية التصرف أيضاً. فنحن من نُدير دَفَّة حياتنا و ليس مشاعرنا.

تمثال ” الحامي فودو” من القرن الثاني عشر في اليابان. تمثال يعود للفترة بين عامي 1000 –  1100 .متحف الفن الآسيوي بسان فرانسيسكو.  © Asian Art Museum of SF

 

أنا أتألم ، وأنت أيضاً تتألم

 

بغض النظر عن أي شيء   من المفيد أن ندرك أن العدوانية عادةً ما تكون استجابة غير مناسبة للأشخاص تجاه معاناتهم .كما يشملنا ذلك و يشمل عدوانيتنا أيضاً. لذلك، فإن رعايتنا  لأنفسنا وتنمية حِسّ الرأفة تجاه الآخرين هما من أفضل الطرق للتخلص من العدوان.

 

فنحن كائنات تُعاني، ولكننا لا نتعامل مع ذلك بشكل جيد. فإننا نحاول جاهدين لكي نخفف ألمنا، ولكن ذلك يجعله أكثر سوءاً. ولذلك، فإن ممارستنا للحضور الذهني  ورعاية الذات تمنحنا الصلابة والمساحة لكي نُدرك معاناتنا بدون أن نفقد إستقرارنا و ثباتنا. وفي حالة تعرضنا للعدوانية، من الضروري أن نعرف بأن تلك العدوانية هى نابعة من ألم الشخص الأخر، مما يساعدنا في الرد  بمهارة وحكمة ورأفة.

 

بدون كَبت أو إنفعال

 

يشوه كل من الخوف والخجل  الطاقة الأساسية للغضب مما يؤدي لخلق المعاناة. فنحن نخشى من أن تغمرنا المشاعر الحادة مِثل الغضب و تجعلنا نفقد السيطرة. كما أننا نخجل من أن مِثل تلك المشاعر “السلبية” هي جزء من تركيبتنا عموماً. ولذلك، فإننا نحمي أنفسنا من طاقة الغضب تلك عن طريق إمّا كبتها أو التعبير عنها بانفعال. فكلاهما طُرق لتفادي حِدَّة المشاعر. وكلاهما ضار لنا ولغيرنا أيضاً.

 

فما نحتاج إليه حقاً هو أن نسمح لأنفسنا بأن نعيش كل المشاعر بهدوء أثناء ذروة حِدّة الطاقة بداخلنا بدون أن نكبتها أو نحررها بانفعالية سوء التصرف .فهذا هو مفتاح المسار البوذي للتعامل مع الغضب. فعندما نمتلك الجرأه لكي نكون حاضرين مع  غضبنا، يمكننا أن ننظر إليه مباشرةً. وحينها نكون قادرين بأن نشعر بنسيجه ونفهم خصائصه. حيث يُمكِننا فهم تلك المشاعر العنيفة وتقصي السبب وراءها.

 

وحينها سوف نكتشف بأننا لسنا مُهّددين حقاً من قِبل تلك الطاقة. ونستطيع فصل الغضب عن “ذاتنا” ومواقفنا. وحينها سوف نُدرك بأن الطاقة المبدئية للغضب مفيدة، بل وتُحقِق الاستنارة أيضاً.  وذلك، لأن غضبنا فى الأصل هو ذاتة الغضب الموجود في البوذات أي من وصلوا لحالة اليقظة والاستنارة.

 

إكتشاف حكمة الغضب

 

إننا نمتلك نفس القوة التي يمتلكها بوذا وغيره من البوذات في أن نقول “لا” فوفقاً للتقليد، تعتبر بأن طاقة الغضب المستنيرة هي حكمة الصفاء. فهي بمثابة بصيرة حادة، دقيقة، ونفاذة. يُمكننا التفريق  من خلالها بين الصِحِّي وغير الصّحي: العدل والظُلم، الإستنارة والجهل. فعبر الرؤية الواضحة نخلق الأرضية والأسس لأفعالنا.

 

” نحن مستنيرون في جوهرنا وطبيعتنا وغضبنا في أصله طاقة الحكمة.”

 

يُمكننا جميعاً أن نعيش حكمة الغضب، عندما نرى كيف يسيئ المجتمع معاملة الناس. فعندما نمتلك الرؤية الصادقة تجاه عصبيتنا  ونتعهد بالتغيير. وعندما يلهمنا ذلك لكي نقول “لا” للظُلم ونكافح من أجل تحقيق شيء أفضل، فإن تِلك الحكمة هي مصدر الصلابة، الشجاعة، و التماسك. حيث يُمكِن أن تقود للتغيير الإيجابي.

 

فإن كان هناك خبرا سارا تُقَدِّمه لنا البوذية لنا فهو : إننا مستنيرون في طبيعتنا الأصلية، وغضبنا هو حقاً حِكمة. وأما العدوانية المضطربة التى تم إساءة توجيهها مما أدت  للمعاناة ، فهي مجرد شئ مؤقت ووهمي.

 

عندما تخدم طاقة الغضب “الأنا أو الإيغو”، فتلك هي العدوانية. ولكن عندما تخدم تخفيف معاناة الآخرين وجعل العالم مكانا أفضل، فهي حكمة. فنحن نمتلك الحرية لاختيار أيهما. كما نمتلك أيضاً القوة لتحويل العدوانية لحكمة الغضب. فلا يوجد انتصار أعظم من ذلك، لأجلنا ولأجل العالم.