الدماغ والجسم: علم الحضور الذهني

 

المصدر:
Brain, Body & Benefits: The Science of Mindfulness
BY DANIEL J. SIEGEL| MARCH 1, 2010
https://www.lionsroar.com/mindful-living-brain-body-benefits-the-science-of-mindfulness/

في هذه المقالة يبحث الطبيب دانيال سيغل  Daniel J. Siegel و M.D عن “المكوّن النشط” الذي يجعل الحضور الذهني مفيدًا للغاية لصحتنا ونفسيتنا وجودة الحياة بشكل عام.

 

منذ القدم كانت هناك ممارسة حالة الوعي الذي لا يصدر الأحكام لحظة بلحظة في كل من الشرق والغرب. لقد أوصت تقاليد الحكمة منذ آلاف السنين بممارسة الحضور الذهني بأشكاله المختلفة لتنمية الشعور بالراحة في حياة الفرد. الآن العلم يؤكد على القيمة العالية للفوائد الناشئة عن مثل هذه الممارسات. في هذه الدراسة سوف نكتشف الأمور المشتركة لهذه الممارسات المختلفة ونراجع نتائج البحوث التي تؤكد أن ممارسة الحضور الذهني بشكل يومي يعتبر مفيد للصحة. سنكتشف بعد ذلك مجالًا جديدًا يُسمى علم الأعصاب الحيوي في العلاقات interpersonal neurobiology الذي يدمج مجموعة واسعة من العلوم لدراسة وتعريف الواقع ووضعه في لغة مشتركة تكشف لنا العالم الخاص بالذهن البشري.

 

تشمل ممارسة الحضور الذهني اليوغا والتاي تشي، والتشيغونغ، والترديدات أو المانترات، وتأمل الحضور الذهني المستمد من التراث البوذي. كان يمكن لعلم الحضور الذهني أن يتعمق في أي من ممارسات التركيز الإرادي على لحظة الآن أو اللحظة الحالية دون إصدار أية أحكام، ولكن نتيجة لتأثير برنامج الحد من التوتر والقائم على الحضور الذهني المستوحى من البوذية، فقد اعتمدت الكثير من أبحاثنا المتعمقة حول تأثير الحضور الذهني على وظائف الدماغ والجهاز المناعي، وكذلك التغيرات النفسية والشخصية، على دراسة تأمل الحضور الذهني بناء على ما تقدمه الفلسفة البوذية.

 

أظهر البروفيسور جون كبات زن Jon Kabat-Zinn الحاصل على دكتوراه في علم الأحياء الدقيقة والمدرس في جامعة ماساتشوستس في أواخر السبعينيات حماسا لتطبيق مبادئ تأمل الحضور الذهني على المرضى في بيئة طبية. أثبت عمله في تطوير برنامج الحضور الذهني القائم على الحد من التوتر MBSR فعاليته في المساعدة في تخفيف معاناة المرضى من الحالات الطبية المزمنة. كما كان بحثه بمثابة أرض خصبة لمجموعة من الأبحاث المنظمة بالتعاون مع أحد مؤسسي مجال علم الأعصاب الوجداني العالم ريتشارد ديفيدسون Richard Davidson من جامعة ويسكونسن في ماديسون.

 

يوضح Kabat-Zinn مرارًا وتكرارًا في كتاباته وتعاليمه بأنه على الرغم من أن برنامج الحضور الذهني القائم على الحد من التوتر جذوره بوذية، إلا أنه تطبيق علماني للحضور الذهني، وهو ممارسة توجيه الانتباه بعناية، وليس شكلاً من أشكال التدين. في الواقع، كل من ممارسات الحضور الذهني المذكورة أعلاه تشترك في عناصر علمانية مشتركة: تنمية الوعي بالوعي والانتباه للنوايا داخلنا.

 

تشير الدراسات إلى أن الطرق التي نُشكل بها تركيزنا الداخلي في ممارسة الحضور الذهني تحدث حالة نشطة للدماغ أثناء التمرين. مع تكرار الممارسة، يمكن أن تصبح حالة نشاط الدماغ التي تم إحداثها من بشكل مقصود سمة دائمة للفرد كما ظهر من خلال التغييرات طويلة الأجل في وظائف الدماغ وبنيته. وهذه خاصية أساسية في المرونة العصبية للدماغ وهي كيفية تغير الدماغ استجابة للتجربة. هنا، فإن التجربة هي محور الاهتمام بشكل خاص.

 

والسؤال الذي يُطرح هنا حول برنامج  تقليل التوتر من خلال الحضور الذهني MBSR Mindfulness-Based Stress Reduction  هو: “ما هو “المكون النشط” المؤثر على العملية. بطبيعة الحال، فإن أمور مثل التشارك مع الآخرين في التأمل حول ضغوطات الحياة، والاستماع إلى الشِعر، وممارسة اليوغا، قد تساهم في إثبات فعالية البرنامج المثبت علمياً. ولكن ما هو الدور المحدد الذي يلعبه التأمل في النتائج الإيجابية لبرنامج الحضور الذهني للحد من التوتر وهناك أحد الأدلة: وهم مجموعة مرضى  يمارسون تأمل الحضور الذهني أثناء المعالجة الخفيفة لمرض الصدفية الذين أظهروا سرعة شفاء بسرعة أربعة أضعاف المعتاد. وفي دراسات أخرى، لوحظ تحسن عند المرضى ولمدة طويلة الأجل مع استمرار معدل الشفاء بشكل يتناسب مع الفترات التي قضاها المرضى في التأمل. 

 

هناك حاجة إلى مزيد من البحوث للتحقق من الدراسات المتكررة التي تؤكد أن تحسن الصحة على المدى الطويل يرتبط ارتباط وثيق بممارسة الحضور الذهني. توصلت سارة لازار Sara Lazar وزملاؤها في مستشفى ماساتشوستس العام Massachusetts General Hospital أن الأشخاص الذين مارسوا تأمل الحضور الذهني لعدة عقود تطورت لديهم ميزات في أدمغتهم تتناسب مع عدد ساعات الممارسة للتأمل. لكن هذه النتيجة أيضًا، إلى جانب الدراسات التي أجريت على “المتمرسين” أولئك الذين قضوا عشرات الآلاف من الساعات في التأمل – في حاجة إلى أن تُفسر بدقة وحذر وبشكل يتناول الأسباب والنتائج. فهل أولئك الذين لديهم نشاط وتراكيب دماغية مختلفة هم ببساطة أولئك الذين اختاروا التأمل، أو هل أدى التأمل بالفعل إلى تغيير في بنية أدمغتهم؟ تبقى هذه الأسئلة مفتوحة وفي حاجة إلى مزيد من الدراسات.

 

أثبت برنامج  تقليل التوتر من خلال الحضور الذهني فعاليته في الوصول لإضاءات في الإجابة على هذه الأسئلة لأنه يمكن للمبتدئين الدخول في ممارسات جديدة تشكل المتغيرات في هذه التجارب والتي تؤدي للتغييرات الإيجابية التي تتبعها. ما هي هذه التغييرات، بغض النظر عن أسبابها المحددة؟ لقد أظهرت الدراسات حول برنامج ت تقليل التوتر من خلال الحضور الذهني طورا واضحا يثبت فعاليته كنشاط مفيد للصحة. هذا قد يكون مفتاحا ل “علم الحضور الذهني”.

 

أولاً، لوحظ  وجود “تحول إلى المنطقة اليسرى الأمامية” في الدماغ حيث تم تعزيز النشاط الأمامي الأيسر للدماغ بعد التدريب على البرنامج. يُعتقد أن هذا التغيير الكهربائي في وظيفة الدماغ يعكس تطور في “حالة المقاربة” approach state حيث نقترب ونواجه موقف صعب أو وحالة ذهنية داخلية مثل فكرة ما أو شعور ما أو ذكرى ما. بطبيعة الحال، يمكن اعتبار مثل هذه الحالة من المقاربة الأساس العصبي للمرونة العصبية والقدرة على التكيف.

 

ثانياً، تتناسب درجة هذا التحول إلى المنطقة اليسرى في الدماغ مع التحسن الملحوظ في الوظيفة المناعية. فإن أذهاننا لا تصبح أكثر مرونة فقط، ولكن قدرة الجسم على مكافحة العدوى تتحسن أيضاً. في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، توصل الباحث ديفد كريسويل David Cresswell وزملاؤه إلى أن برنامج الحضور الذهني يحسن الوظيفة المناعية حتى عند المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية HIV. والتحسن في وظيفة الجهاز المناعي قد يساعد في تفسير حالة التحسن في التي ظهرت في دراسات علاج الصدفية مع ممارسة الحضور الذهني أثناء فترة العلاج.

 

ثالثًا، تظهر الدراسات حول برنامج الحضور الذهني أن المرضى الذين خضعوا للبرنامج يشعرون بشعور داخلي بالاستقرار والوضوح. ومن خلال استخدام نسخة معدلة من هذا البرنامج في دراستنا التجريبية في مركز UCLA لأبحاث الوعي الذهني UCLA Mindful Awareness Research Center، وجدنا أن البالغين والمراهقين الذين يعانون من مشاكل في الانتباه حققوا المزيد من التحسن في الوظائف مثل الاستمرار في الانتباه وتقليل التشتت بشكل أكبر من اعتمادهم على الأدوية. وجد أيضاً باحثون آخرون (آلان والاس Alan Wallace، وريتشي ديفيدسون Richie Davidso، وأميجي جا Amiji Jha) تحسن ملحوظ  في الانتباه لدى أولئك الذين تلقوا تدريبات على تأمل الحضور الذهني، مثل التركيز المحسن الذي ظهر من خلال تقليل نسبة “وميض الانتباه”، أو الفترات التي لا يكون فيها انتباه للمعلومات الجديدة بسبب الاهتمام لفترات طويلة بالمحفز السابق. وقد أجريت بعض هذه الدراسات خلال قيام الأشخاص بمعتزلات تأمل لمدة ثلاثة أشهر حيث يكون التركيز الأساسي على الممارسة التأملية بدلا من المناقشات الجماعية.

 

رابعًا، توصل الباحثون في مجموعة واسعة من حالات الصحة الذهنية إلى أن إضافة الحضور الذهني كجزء أساسي من استراتيجيات العلاج أثبت أنه ضروري في علاج حالات مثل اضطراب الوسواس القهري واضطراب الشخصية وإدمان المخدرات، كما أنه مفيد أيضًا في الوقاية من الاكتئاب المزمن.

 

في دراسة حديثة قام بها نورمان فارب Norman Farb وزملاؤه في تورنتو، تم الوصول لبعض الإضاءات حول الآليات الأساسية المحتملة التي تمكن من تطبيق أسلوب العلاج هذا على مجموعة واسعة من الاضطرابات العقلية. بعد الخضوع لبرنامج الحضور الذهني مدة ثمانية أسابيع فقط، تمكن الأشخاص المتطوعون من تغيير الوظيفة الدماغية بطريقة أكدت أنهم قادرون على التمييز بين “الثرثرة التي تملأ الذهن عادة narrative chatter” وبين التدفق الحسي المستمر لتجربة هنا والآن. هذه القدرة على تطوير التمييز- للتمييز بين تياراتنا الفريدة للوعي – قد تكون خطوة حاسمة لتخليص أذهاننا من الأفكار المجترة، والعواطف المدمرة المتكررة، والسلوكيات الاندفاعية والإدمان.

 

وأخيرًا، توصلت الدراسات التي أجريت على البرامج القائمة على الحضور الذهني أن طلاب الطب قد شهدوا تحسنا في شعورهم وإحساسهم بالآخرين، وأن الأطباء قد قللوا من مشاعر الإرهاق وعززوا من مواقفهم الإيجابية تجاه مرضاهم.

 

مهارة الاستبطان والنظر في عالمنا الداخلي مهارة يمكن تعلمها

 

كيف يمكننا الاستفادة من علم الحضور الذهني هذا؟ نقدم هنا مقدمة قصيرة لفرع من فروع المعرفة يسمى البيولوجيا العصبية والعلاقات.

 

في الوقت نفسه الذي كان فيه جون كبات-زين يصمم برنامج الحضور الذهني منذ حوالي ثلاثين عامًا، كنت قد بدأت الدراسة في كلية الطب على بعد بضعة أميال فقط شرقًا في بوسطن. بعد أن شعرت بالإحباط بسبب عدم وجود تعاطف وإحساس من أساتذتي والطريقة التي عومل بها المرضى – والطلاب – وكأنهم أشياء مادية خالية من العالم الداخلي، توقفت عن الدراسة لأقاوم هذا الجهل الكبير تجاه الواقع الداخلي للذهن.

 

عندما عدت في النهاية لأكمل دراستي، كان الأمر الواضح بالنسبة لي هو أن هناك طريقتين أساسيتين يمكن للناس من خلالها رؤية الواقع. كان أحدهما من خلال عدسة المادية، والآخر من خلال عدسة الذهن. كثير من أساتذتي في الطب وظفوا العدسة المادية – رؤية العلامات الخفية وأعراض المرض الفسيولوجي. كان هذا جانبًا مهمًا لكنه كان ناقصا نظرا لكونهم معالجين. لقد أدركت أن هؤلاء الأساتذة يفتقرون إلى تطوير العدسة التي مكنتهم من رؤية مشاعر وأفكار الذهن وآماله وأحلامه ومواقفه. لقد كان عالمهم مادياً، وكانت الحياة الداخلية الذاتية للمريض مفقودة بشكل مؤلم عند هؤلاء الأطباء.

 

وضعني هذا الإدراك في رحلة استمرت لعقود لاستكشاف ماهية الذهن، وكيف أن الكيفية التي يتم بها رؤية الذهن يمكن أن تساعد في تخفيف الضيق النفسي وربما تعزيز الراحة الفسيولوجية. وقد تعمقت في علم المعاناة النفسية في طب الأطفال ثم في الطب النفسي السريري والبحثي.

 

بدا أن المرضى أتوا للمساعدة عندما كانوا يعانون في حالات الشدة أو الفوضى أو كليهما. لقد كانوا عالقين في تكرار أنماط التفكير والتصرفات غير المفيدة، أو أنهم كانوا مغمورين تحت مشاعر أو أفكار مشوشة وغير متوقعة. لقد صاحب حالاتهم عدم القدرة على رؤية الذهن بشكل واضح أو عميق. إذا تمكنت من تعليمهم طرقًا لرؤية أذهانهم – العالم الداخلي – فيمكنهم أن يصبحوا منفتحين لتشكيل ذلك العالم بشكل أكثر تكيفًا ومرونة للوجود. وقد أطلقت على هذا: القدرة على مراقبة وتعديل العالم الداخلي للنفس أو للآخرين “الاستبطان أو النظر لعالمنا الداخلي.”

 

لقد أصبحت باحثًا في مجال العلاقات بين الآباء وأطفالهم ودرست كيف أن التواصل المتناغم من مقدم الرعاية إلى الرضيع يطور نمو الطفل الصحي والمرن. كان عقد التسعينيات عقدًا للعقل وكنت منغمسًا في العمل مع علماء في مجموعة واسعة من التخصصات، بما في ذلك الأنثروبولوجيا وعلم الأحياء العصبي. يمكننا الآن إمعان النظر في وظيفة وبنية الدماغ السليم والنشط، ومن ثم العمل على الجمع بين هذه النتائج مع استكشاف الذهن نفسه.

 

في النهاية، أدت هذه الرحلة إلى إنشاء مجال متعدد التخصصات يسمى البيولوجيا العصبية للعلاقات والسلوك والذي يقترح تعريفاً عمليا للذهن يمكن الباحثين في أكثر من عشرة تخصصات في العلوم الاتفاق عليه: أحد الجوانب الأساسية للذهن هو عملية متضمنة ومجموعة من العلاقات تنظم تدفق الطاقة والمعلومات. لقد مكنني هذا التعريف من تحسين مفهوم العالم الداخلي باعتباره الطريقة التي يمكننا بها الإحساس وتشكيل الطاقة وتدفق المعلومات عند مشاركتها في العلاقات، وتنتقل من خلال الآلية العصبية للدماغ (ينظر إليها هنا على أنها الجهاز العصبي الممتد في جميع أنحاء الجسم)، وينظمها الذهن. شكلت العلاقات والدماغ والذهن مثلثا من التجربة الإنسانية والذي كان محور بحوث متعددة التخصصات.

 

بعد أن كتبت بشكل احترافيً حول هذا الموضوع وأصدرت كتاب الأبوة والأمومة الذي قدم علم البيولوجيا العصبية للعلاقات بشكل عملي، اقترحت فيه أن “التمتع بالحضور الذهني” هو مبدأ أساسي للأبوة. لم أكن قد تدربت على التأمل، في البداية كنت في حيرة من أمري، ولكن بعد ذلك انفتحت على العالم القديم من الحضور الذهني بأكمله والاكتشافات العلمية الحديثة. أدت فرصتي للاجتماع مع جون كبات – زن في أحد المؤتمرات إلى عالم جديد بالنسبة لي عندما شجعني على الدخول في تجربة مباشرة مع الحضور الذهني. سرعان ما شاركت في أول معتزل صامت  للعلماء دام أسبوعًا قدمته جمعية تأمل البصيرة Insight Meditation Society ومعهد الذهن والحياة Mind and Life، ثم أسبوع من تدريب برنامج الحضور الذهني. هذه الرحلة وصفتها في كتابي الدماغ الحاضر Mindful Brain. المفهوم الأساسي في هذا الكتاب هو أنه بدلاً من اعتبار الحضور الذهني في الأساس تنظيمًا للانتباه أو العاطفة، يمكن اعتباره “شكلًا داخليًا” من التناغم – حيث تكون الذات الملاحِظة منفتحة ومقبولة، ومضبوطة، وفضولية حول التجربة التي تمر بها الذات.

 

في محاولاتي الشخصية في البحث في مجال الحضور الذهني، قمت بتجريب الحضور للذهني باعتباره “عجلة الوعي” مثل الدراجة الهوائية، حيث محور العجل هو الوعي مجازاً، و إطار العجلة هو كل شيء يمكن أن أكون على واعيا به، وأسلاك العجلات تمثل التركيز الإرادي للانتباه. يعتبر مفتاح الحضور الذهني حسب تجربتي، القدرة على فصل المحور عن الإطار، حتى لا يكتسحه أي شيء داخل الوعي باعتباره مجمل تجربة المرء. هذا التمييز بين الإطار والمحور، وانعكاس الوعي نفسه لتمكين شعور أعمق بالحاضر والماضي والمستقبل المتوقع، يتناسب بشكل جيد مع الفكرة الرئيسية من الحضور الذهني وهي “الاندماج”.

 

يتم تعريف الاندماج على أنه الربط بين الأجزاء المختلفة للنظام. من خلال الاندماج، يمكننا تحقيق تدفق مرن للطاقة والمعلومات – وهي حالة متكيفة ومتسقة بشعور شخصي من الانسجام والحيوية. عندما لا نكون في حالة من التكامل فنحن في حالة من الفوضى أو الجمود أو كليهما. مكّنني الحضور الذهني من الحصول على تفسير أخيرًا لماذا يأتي المرضى طلبًا للمساعدة في إحدى هذه الحالات التي يُنظر إليها الآن على أنها تشكل عائقا أمام التكامل والاندماج. من منظور برنامج الحضور الذهني فإن حالة التكامل هو الصحة. تتمثل الطريقة التي نتحرك بها نحو التكامل في استخدام الاستبطان والنظر نحو عالمنا الداخلي من أجل تعزيز التمييز الضروري ومن ثم ربط العناصر في النظام – أدمغتنا وعلاقاتنا مع الآخرين – أي الكوكب الأكبر من حياة المترابطة.

 

يمكن اعتبار الوعي الحاضر من منظور برنامج الحضور الذهني هذا وسيلة فعالة لإحداث تكامل في الوعي. مع اللطف والرأفة، نفرق بين الوعي وبين ما نعي به. يشبه التناغم والتآلف مع الذات التودد مع صديق أو رضيع: فنحن حاضرون تمامًا ونقبل بعناية واهتمام.

 

يُمكِّننا الحضور الذهني أيضًا من التمييز بين تيارات الوعي المتمايزة والتي تشمل الأحاسيس والملاحظات والمفاهيم المبنية وحتى المعرفة غير المفاهيمية. بمجرد أن نعزز عدسة نظرنا من خلال التدريبات التي تعزز الانفتاح والموضوعية والملاحظة، سنُمنح الفرصة لتعزيز التكامل في حياتنا كأفراد وجماعات. إن الوصول إلى الشعور بالراحة والرأفة والمرونة من خلال مثل هذه الممارسات هو أمر عجيب يجب تجربته.

يمكن أن يصبح التفكر والاهتمام بالعلاقات والمرونة من أساسيات التعليم. يمكن أن تمثل الممارسات التأملية التي تساعد على تكامل الدماغ والذهن وعلاقاتنا أملًا جديدًا في كيفية نمو الشباب نحو حياة صحية أفضل وأساليب حياة مفعمة بالرأفة. في نواحِ كثيرة، تجمع هذه الممارسات التأملية بين الحكمة القديمة المتمثلة في الحضور الذهني والاكتشافات المعاصرة للعلوم متعددة التخصصات. من خلال التأمل والتفكّر، يمكننا أن نرى بصورة أوضح أن الذهن حقيقي وأن ترابطنا مع الآخرين هو نبض الحياة. يمكن أن تصبح أدمغتنا متكاملة، وعلاقاتنا فيها إحساس ورأفة، وونُقدر أذهاننا لكونها تعزز قيم المرونة والتكيف في حياتنا.