الطرق الثلاثة في حمل التعاليم البوذية

ترجمة وإعداد خلود غروفز

المصدر:من التعاليم التي أتلقاها من معلمي تيم أولمستيد وبرامج مجموعة تيرغار Tergar التي يديرها المعلم منغيور رنبوتشي. وقد حصلت على إذن تلخيص البعض من هذه التعاليم وترجمته.

 

الجزء الثالث

كما مر معنا في الجزأين السابقين من الضروري أن نفهم النظرة الأساسية التي تنطلق منها البوذية قبل البدء بممارسة التدريبات وطرق التأمل المختلفة فيها. فنظرتنا للعالم والوجود مهمة جد لأننا ننطلق منها في فهمنا وحكمنا على الأشياء وتصرفاتنا، إذا فهمناها خطأ فلنا أن نتخيل التشويش والصعوبة التي نجلبها على أنفسنا. تنطلق النظرة الأساسية في الفلسفة البوذية من أن التغيير حقيقة وسمة أساسية للوجود وأن المعاناة أو عدم الرضى هي أيضا من الحقائق التي تميز وجودنا، فنحن كما قال ناغارجونا (Nagarjuna الفيلسوف الهندي البوذي في القرن الثاني قبل الميلاد) أننا كما الذي يدور في عجلة من السعادة والشقاء، في صعود ونزول، دون أن نعي أننا يمكن أن نسيطر على أذهاننا وعواطفنا قبل أن تسحقنا، ثم هناك الحقيقة الثالثة وهي أنه بالإمكان التخلص من هذه المعاناة من خلال الحقيقة الرابعة وهي السير على المسار المؤدي لذلك وهو مجموعة من التدريبات الذهنية التي تصفي الأذهان والقلوب من أجل إدراك الحقيقة ومعرفة أنفسنا والسيطرة على أذهاننا والتحكم بها.

 

والطرق الثلاثة في حمل التعاليم (الهينايانا والماهايانا والفاجرايانا)  كما مر بنا سابقا لا يمكن فصلها بل نمارسها جميعا في نفس الوقت، وادعاء المتدرب بأنه إما في مسار الفاجرايانا أو الهينايانا أو الماهيانا وتجاهل الطرق الأخرى والفصل بينها هو دليل على “سوء الفهم” كما قال أعظم المعلمين البوذيين في هذا العصر وهو تلكو أورغين رينبوتشي Tulku Urgyin Rinpoche. وهو يقدم صورة مجازية وتشبيهية رائعة في ذلك وهي تقديم الشاي: فيشبّه الهينايانا وهي القاعدة والأساس بأنها مثل الطاولة والتي سنضع عليها كوب الشاي، والماهايانا بالكوب الذي بدونه لن يكون هناك ما يحتوي سائل الشاي، والفاجرايانا هي السائل أو الشاي وبدونه لن تكتمل العملية ولن تستمتع بكوب الشاي!

 

ويسهب المعلم تم  أولمستيد في توضيح ذلك فيقول: ” من خلال التدريبات وتوجيهات السلوك في بداية المسار، يصبح إحساسنا ووعينا أعلى بأنماط الذهن والتفكير التي تشكلت لدينا بسبب تشبثنا بالأشياء والسرعة والاستعجال الذي يميز حياتنا. تساعدنا تدريبات التأمل في بداية المسار  في تنمية الهدوء (من خلال تأمل الشامتا)، خاصة مع إدراك أذهاننا المشتتة والمضطربة والتي لا تهدأ مثل القرد الذي يتنطط من مكان لآخر، وهكذا ينشأ داخلنا إحساس بالارهاق لأننا أدركنا هذه الأنماط في أذهاننا، فيتولد فينا إدراك وبصيرة تدفعنا لتجنب المعاناة سواء لأنفسنا أو غيرنا. والهينايانا أو المرحلة الأولى في المسار تحدد الخطوط العامة للسلوك من خلال عشرة أمور ينبغي تجنبها وهي: القتل والسرقة والإساءة الجنسية والكذب والقسوة في الكلام أو الأفعال والغيبة والجشع والمكر والذم أو التشهير … إلخ. وهكذا تنمو فينا الرغبة في السعادة (السعادة هنا ليست بالمعنى المغلوط فالسعادة هنا هي ليست عاطفة بل حالة عالية من السلام وهي غير مشروطة بشروط مادية أو غيرها).  ومع نضوج هذه الرغبة تتجلى من خلال التعبير عن نفسها بحالة من الدفء والإحساس أكثر بالآخرين، والرغبة بالتواصل معهم. وهذا يأخذنا للمرحلة الثانية من التدريب في الماهايانا حيث تعزز مشاعر الرأفة وتدريبات البراميتا الستة ( أي الخصال التي تأخذنا إلى الشاطئ الآخر أي التي تحدث تغيير وتحول كبير في حياتنا وهي: الكرم والصبر والحماسة في المثابرة والتأمل ثم الحكمة) ومع تطورنا في المسار نبدأ بإدراك صفة الرحابة والاتساع لجوهر الذهن وطبيعة الناس والأشياء كما هي على حقيقتها: نقية ومقدسة. فيوقظ هذا فينا مزيدا من مشاعر الرأفة لأننا ندرك كم الحياة قاسية عندما يكون الذهن مشوشا ومضطربا، فيدفعنا هذا للمضي في مسارنا وللسعى بقوة في رفع المعاناة عن أنفسنا وعن الآخرين، وهذا ينقلنا للمرحلة الثالثة حيث تعزز هذه المشاعر القوية والعميقة داخلنا التزامنا بتدريبات الفاجرايانا وهذا يتطلب التدريب المستمر خطوة بخطوة وهذا ما تزودنا به هذه التدريبات. ” فكل مرحلة تنقلنا إلى التي تليها عندما يكون هناك نضوج في التجربة والتدريبات التي تسبقها، ويذكر أولمستيد بأنه مع تقدمنا في المسار ومع التدريبات التأملية يبدو وكأن كل ما نراه هو مدى التشويش الكبير والاضطراب الذي نحن فيه، لكن مع المثابرة الملازمة للحماسة في المسار ومع الإخلاص والصراحة مع أنفسنا والرغبة القوية في الالتزام بتوجيهات السلوك لا يكون هناك مجالا لمزيد من التشويش والأخطاء … وكما قال أحد اليوغيين الكبار بأن “العثرات والأخطاء التي نرتكبها أثناء تدربنا سوف تنقلنا إلى المرحلة التي لا أخطاء فيها.”