الجزء الخامس: كلمات حول حقيقة التغيير

(من الضروري قراءة الأجزاء السابقة لفهم أفضل للمصطلحات الواردة في هذه المقالة)

من مقالة للمعلم دزونغيار كينتسي رينبوتشي

“خصائص الدارما البوذية الأربعة باختصار” Buddhism in a Nutshell: The Four Seals of Dharma في مجلة Lion’s Roar

ترجمة وإعداد خلود غروفز

 

بداية، الموضوع ليس حشو معلومات فحشو المعلومات قد يجعلك فيلسوفا قد تبهر البعض بما لديك من معلومات في هذه الفلسفة لكنها لن تجعل منك متدربا يجيد التحكم بذهنه. يؤكد المعلم كينتسي أنه من الضروري التأكد من الفهم الصحيح قبل البدء بالتدريبات ولذلك من الضروري فهم النظرة التي تنطلق منها الفلسفة البوذية قبل التدرب حتى نضمن أننا نتدرب ونتأمل بالشكل الصحيح. ومع أن هذا المعلم من المتحمسين أن البوذية الآن حطت في الغرب حيث الثقافة السائدة تدعم الفكر والمعرفة والبحث العلمي والفكر العلماني والعلمي المحايد إلا أنه لسوء الحظ مع مجيء البوذية للغرب حطت في قسم الأديان وموضة التأمل والدراسة الذاتية!

يذكر دزونغسار كينتسي الحقائق الأربعة أو ما يميز هذا الوجود الذي نعيش فيه أو الحقائق الأربعة أو الخصائص الأربعة (الأختام) التي تميز البوذية، و هو يؤكد أي مسار يتميز بها فهو يعتبر أيضا مسار بوذا أو مسار الاستنارة وأنه مع فهم الصفات والخصائص الأربعة لا يمكننا أن نخطئ في مسارنا، وهي:

– – حقيقة التغيير
– حقيقة وجود المعاناة
– عدم وجود الأنا بشكل ثابت دون تغيير وكذلك الأمر ينطبق على بقية الكائنات والأشياء
– حقيقة النيرفانا وهي ثمرة التدرب على المسار حيث يصل المتدرب إلى حالة من الرضى التام وزوال المعاناة، لأن سعادته لم تعد مشروطة بأي شرط.

ما نزال نشكو عند تغير الأحوال. أمزجتنا تتغير، وصحتنا تتغير، والناس تتغير وأفكارنا تتغير والجو يتغير والعالم والسياسات والقوى والدول …إلخ في تغير مستمر. وغالبا ما تكون ردود فعلنا إما بعدم الرضى وهو معاناة، أو تشبث باللحظة الجميلة حتى لا تفلت منا وهذا أيضا معاناة. لا توجد مشكلة في العيش باستمتاع لكن المشكلة في الاعتماد على الأشياء وكأنها لن تزول. فالأشياء المركبة متغيرة: كل شيء مركب من أشياء سيتفكك حتى الزمن مركب من ثلاثة أزمنة وإلا لكنا دائما في الحاضر وما كان هناك زمن آخر، كل الأشياء زمانية ومكانية لها بداية ووسط ونهاية. إذن، ببساطة لنتوقع التغيير.
لكن التغيير ليس أمر سلبي والا بقينا على نفس الحال.

العواطف مصدر للألم وليس فقط عواطف الغيرة والحسد والعدائية لكن أيضا كل العواطف ضمن الثنائية مثل اللطف وغيره من العواطف الإيجابية. المقصود بالثنائية ببساطة: نحن وتجاربنا. العواطف مصحوبة دائما بالخوف والأمل وهي ناشئة عن الذهن الملوث بالثنائية. فالمسرات تصبح مصدرا للألم لأننا نتمسك باللحظة الجميلة على أمل ألا تغادرنا لكن هذا محال فالتغيير حقيقة من حقائق الوجود. فنحن ضحايا الخوف والأمل وهذا يعرضنا لخيبات الأمل.حتى الرأفة compassion قد تكون مدفوعة من النظرة الثنائية (أي نحن وما ننظر له من أشياء وتجارب، فنحن ننظر لكل شيء على أنه منفصل وهذا وهم ) لذلك علينا التدرب على الرأفة العظيمة great compassion
كل الظواهر مثل السراب، تظهر حقيقية لكنها فقط ظاهرة، ووجودها ليس ثابت فهي دائبة التغيير. من الضروري الفهم العقلي لهذه الأمور ومن ثم مع التدريب يفهمها القلب ويستوعبها الذهن فننظر للوجود بواقعية وينعكس ذلك على سلوكنا وعلاقاتنا مع أنفسنا ومع الآخرين.
والفلسفة البوذية ليست فلسفة عدمية فهي تقول بأن كل شيء وهم لكنها لا تلغي وجود الأشياء حتى وإن كان وجودا ظاهريا. فهي تقول أن الذهن موجود لكنه ليس موجود وجودا ثابتا فهو متغير. لكن الطبيعة النورانية لا يعتريها تغيير وهي ما يطلق عليه طبيعة بوذا أو باللغة التبتية བདེ་གཤེགས་སྙིང་པོ (تلفظ: دِشِك نيِنغبو: أي جوهر النقاء).

وأود أن أشير هنا إلى الطرق الثلاثة في حمل التعاليم والذي تهدف هذه السلسلة لتوضيحها، فيُطلق على هذه الطرق أيضا الإدارات الثلاثة للدارما أي تعاليم بوذا (تشبّه الدارما مثل عجلة الحرب لأنها تقضي على العوائق النفسية الهدامة، وإدارتها كناية عن التغيير الذي يحدث نتيجة للتعاليم): فالهينايانا تركز على اللبنة الأساسية وهي الأخلاق في التعاليم الأولى، ثم الماهايانا وهي تؤكد على طبيعة التغيير وعدم وجود جوهر ثابت لنتمسك به وكذلك تهدف لتنمية الرأفة والرغبة في رفع المعاناة عن الآخرين. ثم الطريقة الثالثة وهي الفاجرايانا لم تأت بتعاليم جديدة بل أكدت على ضرورة التخلص من كل التشويش وتأكيد الطبيعة النورانية الأصلية في كل الكائنات.

ما الحل إذن، وكيف نجلب الهدوء والصفاء والسكينة لهذه الأذهان التي أضنتها المعاناة؟

من التدريبات الأساسية في هذا المجال هو تأمل الشاماتا أي تنمية الهدوء والسكينة وتأمل الفيباسانا أي تنمية البصيرة فهما يخففان من تشبثنا بهذه العواطف ومن ولعنا وهوسنا.

(في الأجزاء القادمة سيكون هناك الكثير من التوضيح لأساسيات الحضور الذهني والشاماتا والفيباسانا).