الجزء السادس

التدرب على الحضور الذهني لتنمية الحكمة والبصيرة 

 

ترجمة وإعداد خلود غروفز

المصادر:

  • مقالة “العيش بوعي: مقدمة في أساسيات الحضور الذهني”  Living with Awareness: Introducing the Four Foundations of Mindfulness للمعلم بانتي هينيبولا غوناراتانا Henepola Gunaratana وهو راهب ضمن إرث التيرافادا (الهينايانا).
  • مفالة ” البقعة الصغيرة الزلقة في الذهن: الأساسيات الأربعة للحضور الذهني” “Tiny, Slippery Spot of Mind: The four foundations of mindfulness in the Mahayana tradition ” للمعلم دزوغتشن بنلوب رينبوتشي Dzogchen Ponlop Rinpoche

 

يقول بوذا أننا لو أردنا أن نصف المعاناة في كلمة، ستكون هذه الكلمة: “الخوف” !

 

ففي الأوقات العسيرة نخاف من الألم والشدة، وفي اللحظات الهنية نخاف أيضا أن تتبخر السعادة من بين أيدينا وفي الحالات المحايدة نخاف من المشاعر المحايدة لأننا نشعر وكأننا كالمخدرين. 

هل نعيش اللحظة الحالية أم أننا فقدنا الإحساس بالحياة “الآن” “في هذه اللحظة” لأننا ضائعين في أحلام المستقبل والماضي، أما “الآن” فالحياة مؤجلة ومشروطة بكذا وكذا وكذا وحتى إن تحقق كذا وكذا نضحي باللحظة الحالية لأننا مخدرين ننظر للخلاص في المستقبل ونبكي على الماضي أو نبكي منه!

 

إذن، فلنجرب هذا التدريب حتى نرأف بأنفسنا ونكون حاضرين فيها ومعها ونعرفها ونألفها دون حواجز ومخاوف، فمع تنمية الحضور نلاحظ الخوف لكن دون أن ننجرف في تياره المدمر!

 

الفلسفة البوذية غنية بالطرق التي تتعامل مع الذهن والحالات الذهنية والنفسية المختلفة. وهي تنطلق في ذلك من أن كل معاناتنا وخلو حياتنا من الرضى ناشئ عن سوء فهمنا لأذهاننا وأجسامنا ومشاعرنا وما يحيط بنا من ظواهر، وأننا نفتقر لعلاقة صحية مع هذه الأشياء الأربعة.  فنمارس الحضور في هذه الأربعة:

بداية لابد أن نتدرب على الوعي من خلال التدرب على الحضور الذهني. الحضور الذهني ضروري في كل مرحلة في المسار حتى بالنسبة لأولئك في المراحل المتقدمة جدا في التأمل. ويذكر المعلم غوناراتانا أن بوذا عندما خاطب البيكهو bhikkhu لم يقصد الراهبات والرهبان فقط بل كل المهتمين بالتأمل. 

 

والآن بالنسبة للأساسيات الأربعة للحضور الذهني: 

كما قال بوذا”عندما ننظر لشيء، ننظر له كما هو على حقيقته، وعندما نسمع شيء، نسمع الصوت كما هو على حقيقته … ” وهو يشير هنا لجميع الحواس، أن نكون حاضرين مع ما نستقبله منها دون إصدار أحكام وتلوين الواقع بانطباعاتنا، فنقول مثلا هذا ” قبيح، هذا رائع، هذا مؤلم، هذا شهي ..إلخ” فهذه الانطباعات تحول بيننا وبين الحضور مع الأشياء على حقيقتها.

أولا، الحضور في الجسم: أن تكون في جسدك – مدركين أن الجسم ما هو إلا تجميع من أجزاء وهي الأظافر والبشرة والعظام … إلخ. فالحضور في الجسد هو الحضور بهذه الأجزاء والوعي بها. ونتذكر مع هذا الوعي أن الجسد عرضة لأشياء كثيرة من مرض وإصابات، فهو في تغيير مستمر وهو لا يمكن التعويل عليه كمصدر للسعادة المستمرة. فنحاول أن ننظر إليه كجسم وليس “جسمي”. 

 

ثانيا، الحضور في المشاعر: هناك أشكال مختلفة من المشاعر السارة وغير السارة والمحايدة، في كل لحظة نشعر بنوع واحد من المشاعر. والمشاعر في تغير وتقلّب مستمر وهي أيضا لا يمكن التعويل عليها في السعادة الدائمة، وهي غير مُرضية فنلاحظها على أنها مشاعر وليس “مشاعري”. وهكذا نعرفها على حقيقتها كما هي. 

 

ثالثا، الحضور في الذهن: عادة ما نتحدث عن الذهن وكأنه شيء منفرد لكن ألذهن أو الوعي هو في الواقع مجموعة من اللحظات المتتابعة من لحظات “الذهن” في “الذهن”. نتعلم من خلال الحضور الذهني أن الوعي ينشأ من لحظة لأخرى بناء على المعلومات التي تصلنا من خلال الحواس، ومن الحالات الذهني الداخلية، من الذكريات والتخيلات وأحلام اليقظة. والذهن لا يمكن أن يوجد وحده، لكن تظهر حالات ذهنية بناء على الظروف الخارجية والداخلية. ومن خلال الانتباه لكيفية نشوء كل فكرة ونبقى حاضرين معها ثم نشهد تلاشيها ومرورها يجعلنا قادرين على إيقاف قطار الأفكار غير المُرضية والمشوشة والمؤلمة والتي تنتج الكثير منها. نستطيع ذلك أن نفصل أنفسنا عن هذه الأفكار وأننا لسنا أفكارنا، وهكذا نفهم الذهن على حقيقته. 

رابعا، الحضور في ما حولنا من ظواهر: نرى في أنفسنا وما حولنا الميلاد والمعاناة والتعفن والتحلل والصعود والهبوط والموت …إلخ. كان بوذا واحدا من الكثيرين في التاريخ الساعين وراء الحقيقة، عندما قرر التوقف عن البحث في الخارج وقام برحلته داخل نفسه وصل للاستنارة وقطع دائرة الوهم، فعندما وجه رحلته للداخل وجد الجواب.