الجزء السابع

 

دليل مبسط وقصير في التأمل

 لتنمية الهدوء والسكينة والبصيرة

 

ترجمة وإعداد خلود غروفز

المصدر:

  • من تعاليم المعلم منغيور رينبوتشي في التأمل
  • من كتاب المعلم منغيور رينبوتشي “من التشويش للصفاء: دليل في التدريبات الأساسية للبوذية التبتية” Turning Confusion into Clarity: A Guide to the Foundation Practices of Tibetan Buddhism

يتفق جميع المعلمين في الفلسفة البوذية أنه بعد الفهم العقلي والفكري الجيد للمبادئ الاساسية للحقائق الأربعة والسمات الاساسية للوجود وغيرها من التعاليم، يأتي دور التأمل ليدخل هذا الفهم إلى حيز التطبيق – فالتأمل كما يقول المعلم تم أولمستيد أنه التطبيق العملي والجسر بين الفكر النظري والحكمة – فلا يعد الفهم لهذه الحقائق مجرد فهم نظري وبلا نفع بل يصبح تدريب وينعكس على سلوكنا وتصرفاتنا وعلاقاتنا مع أنفسنا والآخرين وكل الأشياء.

بداية لنتحدث قليلا حول مفهوم الوعي وهو جوهر عملية التأمل:

 

الوعي هو صفة المعرفة بالشيء وهي طبيعية وداخلية للذهن. ولايمكن أن نكون بدونه ولكننا لا ندركه دائما. ولا يمكن أن يكون لدينا تجربة من أي نوع بدون الوعي. 

ويشير المعلم منغيور رينبوتشي إلى ثلاثة أشكال من الوعي: الوعي العادي وهو قبل البدء بالتأمل (فنحن نعي بأننا نأكل ونمشي ونتحدث ونبكي ونضحك ونعي أن ذهننا مشت أو مليء بالأفكار…إلخ) ثم الوعي التأملي وهو ما ننميه أثناء تجربة التأمل، وثالثا الوعي النقي وهذا ندركه مع التعمق في تجربة التأمل والإدراك فنعيش تجربة الطبيعة النقية للوعي مباشرة، (وغالبا إن لم يكن دائما يكون من خلال لقاء معلم ثقة مؤهل لتقديم إرشادات الإشارة المباشرة لطبيعة الذهن).  

 

مع أن الوعي صفة حاضرة وموجودة دائما إلا أن تشويشنا يغطي سماء الوعي، فكما ذكر المعلم نحن نتناول طعام الإفطار بينما نطارد أفكارا أخرى حول ما سنأكل على وجبة العشاء. لا نستقر في اللحظة الحالية وكأنها مشكلة فنهرب منها. 

ويذكر المعلم أن التأمل  يتطلب درجة من الوعي بالوعي نفسه، ويتطلب أكثر من مجرد توجيه الانتباه، فلابد من وجود النية للتأمل ووجود عامل الإدراك وهو الوعي بحدوث الأشياء وهي تحدث. وهذه المعرفة أو الإدراك بكل لحظة، بأن نكون واعين فيها بما نقوم به تعتبر تأمل. فكما علم بوذا أن نعرف بأننا “نمشي عندما نمشي وأن نعرف بأننا واقفين عندما نكون واقفين …”

 

في التأمل نجعل كل شيء يحدث كما هو، فنجعل موكب الأفكار والعواطف والانفعالات ينشأ ويسبح هنا وهناك في سماء الوعي دون أن نصدر الأحكام عليها أو نتمسك بها أو ننفر منها. يُشبّه المعلم منغيور رينبوتشي آثار التأمل مثل سلوك لراعي يرعى غنمه، فنحن نتيجة للتأمل نراقب أفكارنا مثل الراعي الماهر يراقب غنمه، فلا ينهرها ويطاردها بل يوجهها حتى لا ترتبك وتضل الطريق فتضيع.

 

للتأمل هيئة وطرق:

الهيئة: 

هناك تشبيه جميل قدمه بوذا في هيئة التأمل، فقال أن جسمنا مثل الكأس عندما يتحرك، فإن السائل الذي فيه يتحرك، فتهدئة الجسم تساعدنا في التعامل مع الذهن. وليس من الضروري أن نكون قرب شلالات نياغارا أو وسط حدائق غنّاء لنتأمل، فالناس تتأمل في السجون والمستشفيات والأماكن التي يعيش فيها المشردون بل مأوى. 

من الضروري عدم الجلوس للتأمل في البداية لفترات طويلة، يمكن الجلوس بهيئة التأمل لفترة قصيرة، مثلا  5- 10 دقائق 

للتأمل ومن ثم زيادتها بشكل تدريجي. 

 

الظهر:

من أهم الأمور في التأمل الإبقاء على استقامة الظهر، أي أن تكون فقرات الظهر فوق بعضها البعض مثل قطع النقود المرتبة فوق بعضها البعض، بحيث يبقى الصدر مفتوحا والذهن يقظا. لكن لا يقصد هنا باستقامة الظهر جعله مشدودا وبالتالي يصيبنا التعب والإرهاق جراء ذلك، وكل جسم له طبيعته وكل عمود فقري له طبيعته وانحناءاته فمن الضروري مراعاة ذلك. 

الأرجل:

يمكن الجلوس بشكل جلسة التربع على الأرض (إن كان ممكن وإن لم يكن فيها ضرر على الركب).يمكن الجلوس على مقعد للتأمل بحيث يتم رفع الأرداف عن الأرض ومن الضروري أن تكون الركب على نفس مستوى الأرداف. ويمكن الجلوس على الكرسي وأن تكون الأرجل ملامسة تماما للأرض أو يمكن وضع وسادة تحت القدمين إذا كان الكرسي مرتفعا بعض الشيء. ويمكن وضع الأرجل بوضعية اللوتس أو نصف اللوتس (بوضع القدم الأيمن على الفخذ الأيسر أو القدم الأيسر على الفخذ الأيمن)، أو بوضع الرجلين على الأرض بشكل قريب من الجسم لكن دون تربع. من المهم اختيار الهيئة التي تناسب أجسامنا فالغرض ليس التسبب بتوتر وشد للجسم. يمكن ممارسة بعض التمارين لجعل الجسم أكثر مرونة حتى يمكن من الجلوس بهذه الوضعيات. 

الأيدي:

يمكن وضع الأيدي الواحدة فوق الأخرى أسفل السرة ليس شرط أي يد فوق الأخرى، ويكون الكف مواجها للأعلى ويمكن أن يلامس إصبعي الابهام بشكل خفيف. أو يمكن وضع الأيدي على الركب أو على الفخذين حسبما هو مريح للجسم  دون التسبب بأي ألم أو توتر. 

الأذرع:

من الضروري وجود مساحة صغيرة بين المنطقة العلوية للذراعين وبين جذع الجسم، أي وكأنك تضع بيضة تحت إبطك. ينبغي عدم رفع الكتفين بل ابقائهما بشكل مسترخي وجعل الصدر قادر على التنفس بأفضل شكل. 

 

الرأس والرقبة

نبقي الرأس مرتاحا فوق الرقبة فلا نجعله للأمام أو للخلف ويمكن جعل الذقن يميل قليلا نحو الحنجرة ليعطي امتدادا طبيعيا للرقبة ويجعل الوضعية مريحة أثناء التأمل بدون أن تدفع بنا للكسل والشعور بالنوم أو التوتر وعدم الراحة.

 

الفم

عند استرخاء العضلات حول الفم والفك تصبح هناك فتحة صغيرة بين الشفة العلوية والأسنان العلوية وبين الشفة السفلية والأسنان السفلية. ونجعل طرف اللسان يسترخي في أعلى سقف الفم خلف الأسنان العلوية. ويمكن التنفس من خلال الفم أو الأنف أو كليها. 

 

العيون

يمكن فتحهما أو إغماضهم. يتم فتح العينين في التأمل حتى نبقي على تفاعلنا مع العالم الخارجي من خلال الحواس. ولا ينبغي الشد على العينين سواء عند فتحهما أو إغلاقهما. ومستوى النظر يكون إما بالنظر للأسفل مسافة نصف متر أو أكثر بقليل أمام الجسم، أو النظر للأمام أو رفع النظر أكثر بقليل من ذلك ودون الحملقة أو النظر بإمعان. ويمكن الرمش أثناء التأمل لأن محاولة السيطرة على ذلك لن يكون مريحا. 

 

* وينصح المعلم منغيور بتحديد فترة زمنية للتأمل والالتزام بها (يمكن البدء ب 15 دقيقة أو 20 دقيقة وبعد التمكن من ذلك يمكن زيادتها بشكل تدريجي). 

هيا نبدأ!

* لنقم بعملية مسح للجسم أي نجعل عضلات الجسم تسترخي من الأعلى للأسفل بعد أن نأخذ وضعية التأمل ونوجه انتباهنا لكل منطقة حتى تسترخي مثلا نبدأ بأعلى الرأس ثم عضلات الجبهة والوجه (الحواجب والعيون والخدين والفك … إلخ). ونستمر في استرخاء الجسم وتعديل هيئة الجلوس للتأمل حتى نتأكد من أننا لا نُحدث أي توتر أو شد لأي منطقة في الجسم. ونكون في حالة يقظة ومرتاحة في نفس الوقت. ونبدأ بالتنفس (أو جلب الانتباه لزهرة أو شمعة أو حجر أو أي شيء لكن ينصح المعلمون بالنفس لأنه موجود فينا بشكل طبيعي وله قدرة على تهدئتنا) ونراقب َنفَسنا بلطف وكلما نلاحظ الأفكار أو أننا فقدنا حضورنا نعد للنَفَس. ويمكن المراوحة بين الانتباه على النَفَس ثم الاسترخاء في فضاء الذهن المفتوح دون الانتباه على شيء (مع الوعي بكل ما حولنا وداخلنا كما مر معنا في تمارين الحضور الذهني سابقا). 

طرق التأمل الأساسية:

تأمل الشاماتا 

بعد اتخاذ وضعية التأمل وهيئتها كما مر معنا في الأعلى، نجلب الانتباه للنَفَس ونراقبه. في الطرق المختفة للتأمل هناك من يجلب الانتباه للنَفَس أو لزهرة مثلا أو حجر أو أي شيء، وهذا يختلف باختلاف الطرق المختلفة والمدارس المختلفة للتأمل. وهنا سيكون التدرب على النَفَس. فكلما يشرد الفكر نجلب انتباهنا للنَفَس، ومن الضروري أن يكون التنفس طبيعيا ولذلك ينصحنا منغيور بأن نريح الأكتاف التي تساعدنا عند استرخائها بالتنفس بشكل عميق وطبيعي أكثر. مثلا الآن نشعر بالاسترخاء في عضلات الجسم وانتبه لتنفسك. ومهما ينشأ من أفكار وإحساسات، ما علينا سوى مراقبتها وملاحظتها ونعيد توجيه انتباهنا للنفس بلطف ودون توبيخ أنفسنا! فكما يقول المعلم منغيور أنه لا يمكن ايقاف الذهن عن التفكير مثلما لا يمكن ايقاف القلب عن التنفس. ثم أرِحْ ذهنك كما هو دون الانتباه على النَفَس أو أي شيء، دعه يسترخي في فضائه الممتد وكن واعيا. هذا ببساطة تأمل الشاماتا. ويذكر منغيور أن هذا التأمل يساعدنا في تطويع أذهاننا وجعل العمل معها أمرا ممكنا. فهي تهدئه وتجعله في سكينة وحينها يرى طبيعة الوجود على حقيقته.

 

تأمل الفيباسانا 

الفيباسانا وهي تأمل البصيرة، وتكون من خلال تنمية الانتباه والوعي لأساسيات الحضور الذهني الأربعة مع ممارسة التفكُّر. أي الجمع بين الحضور في الذهن والمشاعر والجسم والظواهر وبين التفكر في طبيعة الحقائق الأربعة أي التغيير في الجسم والذهن والمشاعر والظواهر، ثم التفكر أن هناك طرقا للتعامل مع هذا التغيير وهي من خلال تنمية الرضى وعدم التمسك بالأشياء والأشخاص وحتى أنفسنا على أنها غير زائلة.

 

وهذا مثال من المعلم منغيور رينبوتشي على تأمل الشاماتا وتنمية البصيرة في نفس الوقت. 

  • الجلوس براحة واستقامة
  • نغمض العينين ونوجه الانتباه لمنطقة أعلى الرأس (الشاكرة التاجية) وجعل العضلات تسترخي ونشعر بها دون إصدار أية أحكام ونتأمل أنها أيضا تتغير لحظة بعد الأخرى،
  • ثم نجلب انتباهنا للجبهة ونجعلها تسترخ وإذا لم نستطع الاسترخاء نكمل ونتقبل فكرة أننا غير قادرين على الاسترخاء لذلك الجزء من جسمنا.نستمر من حيث الشعور بأي إحساسات هناك والتأمل كيف أنها في تغير مستمر في كل لحظة. 
  • نكرر ذلك في الوجه وعضلاته والعيون والأذنين، … إلخ ثم الجزء الخلفي من الرأس والرقبة الحنجرة ثم الصدر والأكتاف ثم المعدة والبطن ثم الجزء العلوي والسفلي من الظهر ثم الفخذين والرجلين والقدمين، ثم الجسم بأكمله فنجعله يسترخ شيئا فشيئا  ونجلب الوعي لكل هذه الأجزاء ونتأمل كيف أنها في تغيير مستمر، هي وإحساساتها. ثم نفتح عيوننا ونترك الذهن في حالة الاسترخاء التي هو فيها. 
  • نكرر التدريب ونكرر نفس الخطوات لكن مع الانتباه للاحساسات المختلفة من توتر أو شد أو تنميل أو احساسات لطيفة أو غير مريحة او ربما عدم وجود احساسات. 
  • نكرر التدريب ونكرر نفس الخطوات لكن مع الانتباه للأفكار المختلفة في الذهن (ما يجول في أذهاننا من أفكار حول الأكل والشرب أو العمل أو العائلة أو الأصدقاء، وكيف أن هذه الأفكار تذهب وتجيء. يشبهها المعلم منغيور أنها مثل النهر تجري وأننا إذا نظرنا للنهر سنرى النهر أما إذا دخلنا فيه فلن نعد نراه ونغرق فيه). وهذا ينطبق على العواطف أيضا مهما كانت. ونلاحظ أن الأفكار أحينا تختفي عند النظر إليها وهذا يقربنا من الشكل الذي يخلو فيه الذهن من المفاهيم والنصورات. 

 

  • نكرر التدريب ونكرر نفس الخطوات لكن مع الانتباه لكل ما حولنا من أي أشياء وظواهر مختلفة، نعي بالغرفة وأي شيء فيها وما يصل إليك عن طريق الحواس، اجلب انتباهك إلى كل ذلك، فتتحول جميعها إلى مصادر تدعم حالة التأمل التي نحن فيها، وتوسع وعيك أوسع وأوسع ليشمل السماء والأرض والكون بأكمله، ثم اجعل ذهنك يسترخ في هذا الوعي الممتد امتداد السماء واتساع الكون. وتأمل كيف أن هذه الظواهر في تغيير مستمر وهي معرضة للزوال. 

وهكذا نكون قد تمرّنا على الحضور الذهني والشاماتا والفيباسانا في نفس الوقت وبشكل سهل جدا وبسيط.