عندما أصبح بوذا صديقي

بقلم الصديقة ريم عيسى

كلما رأيت تمثال بوذا ذاك، تذكرت المرة الأولى التي لمحت فيها صورته من خلال أحد البرامج الوثائقية التي تتحدث عن الثقافات الشرقية و فلسفاتها المتنوعة.

كنت حينها في فترة المراهقة من عمري، أعاني من القلق و قلة الثقة في النفس بالإضافة إلى الانفعالات المضطربة بحيث تتحول أتفه الأمور التي أصادفها إلى تراجيديا لا نفع منها. 

تمعنت في صورة بوذا ،في ملامح وجهه و عينيه وكم شعرت حينها بالغيرة منه لشدة ما كانت تفاصيله تملؤها السكينة والسلام والاستقرار و راحة سببت لي الصداع. 

لم يخطر في بالي البحث عنه و عن قصته، لكن و بعد عدة سنين صدفت مقالا يتحدث عن حياة ذلك الأمير المدعو سدهارتا الذي هجر حياة الرفاهية والمتع بحثا  عن بعض الأجوبة والحقائق، والذي قام بمنح الكثير من التعاليم فيما بعد والتي تساهم في تحصيل حالة من السكينة واليقظة، تلك التي تمكن من تحصيلها هو نفسه بعد سنين من البحث و التأمل.

بدأت نظرتي تجاهه تتبدل بعد أن شرعت في البحث في قصته وفلسفته. وبعد أن بدأت ألمس نتائج ما قدم من تعاليم و تدريبات لم يحتفظ بها لنفسه بل بذل الجهد في نقلها لكل من يرغب دون بناء هالة التأليه حوله، و حينها أصبح بوذا صديقي قبل أن يصبح معلمي. 

تعلمت عن حقائقه الأربعة النبيلة التي بدت في غاية البساطة، إلا أن إدراكها و إدراك تفرعاتها  يحتاج إلى الكثير من اليقظة و التنبه. فأولها أن الحياة تحمل المعاناة في جوانبها لكن يبدو و كأننا غارقون  في غيبوبة تمنعنا من الانتباه إلى أبسط الحقائق و الاعتراف بها، وكما لاحظت فإن المعاناة عند البعض أشبه بأداة تساعدنا في خلق الشعور بالشفقة تجاه أنفسنا لنلبسها ثوب الضحية ،ولكن ذلك لا يجب أن يجلب اليأس بل و على العكس إنه ينقلنا إلى حقيقة البحث في مسببات المعاناة الحقيقية و ليس الظاهرية، و حقيقة وجود حلول لها وحقيقة البحث عن الطريق و المنهج الذي يساهم في التخلص من المعاناة و مسبباتها. و بالطبع فإن كل ذلك يحتاج إلى بذل الجهد في الفهم و التطبيق للحصول على النتائج المرجوة في عالم يغرق في التأجيل و الكسل يومابعد يوم.

وقد تم تشبيه العقل بالبحيرة النقية، في عمقها الجواهر الثمينة التي لم نغص لاكتشافها بعد. أما المشاكل التي تواجهنا في ظل الحياة اليومية و ضجيجها والعادات المكتسبة و تعلقنا بها فهي الأفكار المشوشة و العواطف المضطربة  التي هي أشبه بأمواج تسبب الاضطراب لسطح البحيرة حد التورط في عاصفة تدمر ما حولها مضافا لها سموم تجعل تلك المياه ملوثة لا فائدة منها.

و في البحث عن مسببات المعاناة لا بد من التوقف أمام السموم الثلاثة التي تتضمن بشكل أساسي الكره والتعلق والجهل ويعتبر الجهل جذر كل السموم، وما علينا فعله ببساطه هو اتخاذ موقف شجاع أمام تلك السموم من حيث الاعتراف بوجودها بكل موضوعية وقوة والعمل الجاد في تنقية النفس والفكر من هذه السموم .

بعد الاطلاع على بعض التعاليم انطوى تدريبي على القيام بتأمل السكينة  (الشاماتا) من خلال التركيز على التنفس والعمل على إفراغ الذهن من كل شيء والبقاء قدر الإمكان في تلك الحالة من السكينة. و لم أتمكن في البداية من تحقيق أي تقدم إلا في آلام الظهر و القدمين بسبب البقاء في ذات الوضعية لوقت طويل إضافة للشعور بالملل الممزوج بإغراء الكسل مما جعلني أتخلى عن فكرة تجربة ذلك التدريب.

إلا أنه ومع الوقت بدأت الأفكار المشوشة و المشاعر المضطربة بالتزايد و عادت معها المعاناة و الآلام على شكل مسرحيات بتنويعات مختلفة أكثر تشويقا           وتشويكاولم يبق أمامي سوى الاعتراف بحاجتي للالتزام بجدية قبل فوات الأوان. و هنا عدت للتدريب ومعه كل شكري وامتناني لكل تلك الأفكار والانفعالات التي نبهتني لارتباطها بالمعاناة فكانت هي محفزي ودافعي للاستمرار في التدرب اليومي.

كان أول أسبوع من التدريب هو الأقسى فقد واجهت كل المبررات الداخلية التي أقنعني عقلي بها ليتخلص من التدريب لكنني أنا هذه المرة من أقنعته بالتوقف عن ألعابه الطفولية اللطيفة و البدء بمساعدتي في تكوين رؤية ناضجة.

وبعد شهر من الالتزام بالتأمل اليومي والتفكر السليم تبدلت كل الصور والأفكار في ذهني و تشتت غمامات الهم و الإحباط وانخفض الضجيج الداخلي وحينها علمت بأنني قد وجدت طريقي ومعها بدأت ملامح البهجة مع بركة السكينة برسم أول ملامحها في نفسي.

مع كل شهيق يدخل الهواء لأشعر به يلامس الرئتين، ينقيها ويملؤها بالانتعاش ومع كل زفير أشعر بالهواء الذي تدفعه رئتي ويدفع معه كل الضجيج والتشويش و أعيد ذلك مرارا وتكرارا إلى أن أصل إلى الهدوء والسكينة لتبدأ الأوهام بالتلاشي.

لتملأ السعادة و السكينة والخير كل لحظة في حياتكم ….