الغيمة لا تموت

توضيح بسيط لبعض المفاهيم الأساسية في الفلسفة البوذية

من حديث للمعلم القدير تك نات هان Thich Naht Hanh

ترجمة وإعداد خلود غروفز

” من خلال التأمل بعمق ندرك أن ما نراه من موت وحياة وزوال الأشياء وميلادها من جديد ما هو إلا وهم. “

إذا كانت النظرة التي ننطلق منها للوجود خاطئة سيترتب على ذلك  فهم خاطئ وساذج لكل ما حولنا، وسينشأ عن ذلك تشويش واضطراب ومعاناة.  

النيرفانا هي نهاية المعاناة وزوال حالة عدم الرضى. ولذلك يساعدنا التأمل في النظر بعمق والتخلص من المفاهيم الخاطئة وسوء الفهم سيساعدنا في التحرر من الآلام والمحن المرتبطة أو الناشئة عن المفاهيم الخاطئة، فإذا أسأنا أو أخطأنا في فهم أنفسنا وفهم الآخرين وإذا أساء الآخرون في فهمنا وفهم أنفسهم سيجني الجميع الخوف والعنف والكره. من أجل ذلك فإن التخلص من سوء الفهم يعيننا في التمتع بالسلام. إذن النيرفانا بداية هي التخلص من الأوهام وسوء الفهم. ففي التخلص من المفاهيم الخاطئة نتخلص من المعاناة.

ومن خلال التأمل بعمق ندرك أن ما نراه من موت وحياة وزوال الأشياء وميلادها من جديد ما هو إلا وهم، فالحقيقة المطلقة ليس فيها موت أو ميلاد فهي متحررة من ذلك كله، متحررة من الوجود والفناء. في الفلسفة البوذية لا يوجد فناء وانعدام الوجود. والخوف من الفناء بناء على الفلسفة البوذية هو ناشئ عن سوء فهم ومغالطات في فهم حقيقة الوجود للأشياء ولذلك ينشأ الخوف من الفناء. فالعالم الفرنسي لافوازيه رأى أنه لا ميلاد ولا موت وذلك من خلال ملاحظاته للواقع من حوله. عندما نرى الغيمة نرى أنها موجودة لكن عندما يهطل المطر ولا نرى الغيمة نظن أنها لم تعد موجودة لكن المطر هو الغيمة، الغيمة هي المطر، لكنها تغيرت وصارت شيئا آخر، فلا نقول أن الغيمة لم تعد موجودة . لكن إذا نظرنا بعمق نرى الغيمة في المطر. فمن المستحيل أن تموت الغيمة لأنها قد تصبح مطرا أو ثلجا أو جليدا لكن لا يمكنها أن تصبح لا شيء.

ولذلك فليس هناك موت إنما تغيير وتحول من حال إلى آخر. فهناك استمرارية. عند النظر بعمق لا نرى عَدَما وفناء بل تغير وتحول مستمر وبذلك نشعر بالحرية ونتحرر من قيود الخوف. والتخلص من الخوف هو أساس السعادة العظيمة. طالما للخوف مكان في قلبك فلن تكون هناك سعادة كاملة. فالنيرفانا ليست شيئا تحصل عليه في المستقبل بل هي القدرة على التخلص من المفاهيم الخاطئة، فيمكن تفسير أو ترجمة النيرفانا أنها الحرية والتحرر من المفاهيم وفي البوذية كل المفاهيم خاطئة، فعندما تتصل مباشرة مع الواقع لا يعد لديك مفاهيم بل حكمة.

ولا يوجد خلق في البوذية وإنما تجليات فالخلق سلسلة من التجليات. فالماء يظهر مطرا أو ثلجا أو جليدا ويتجلى في أي من هذه الأشكال وكذلك كل شيء.

نركب أمواج الحياة والموت بلا خوف، ونستمر في ترحالنا. ولذلك علّم بوذا تلاميذه أن المعجزة الحقيقية هي تعليم الناس وإحداث تغيير في حياتهم. ولذلك فإن بوذا في رحلته للاستنارة تعلم سنوات على أيدي الكثير من المعلمين والنُّساك وتفكر وتأمل وأتقن ما تعلّمه وبعد أن لم يكتف بما حصّله من علم قرر أن يستمر في رحلته لكن لوحده. وفي أحد جلساته في التأمل تحت شجرة بودي أدرك طبيعة الأشياء في اعتمادها على بعضها البعض فلا يوجد اي شيء مستقل وغير مرتبط ومعتمد على غيره. وفي تلك اللحظة تجاوز مفاهيم الحياة والموت. وتحرر من المعاناة لأنه وصل للفهم العظيم وتحرر من الخوف.

فبوذا ليس إله وإنما انسان بقدرة كهائلة على الفهم العميق وممتلئ بالمحبة والرأفة العظيمة. ولذلك فإن تعاليمه قوية ومفيدة،

التأمل البوذي هو النظر في طبيعة الواقع بعمق. فبدون القدرة على التركيز والحضور الذهني لا يمكن النظر فيما نسمع ونرى، مثل العلم فهو ينظر بحذر وبعمق ولا يأخذ الأمور على محمل الوهم والظن.