عودة للأساسيات

إعداد وترجمة خلود غروفز

 الأساسيات هنا لا تعني الأمور التي تقتصِر فقط على المبتدئين، بل أساسيَّات نتذكرها كل يوم وكل لحظة. الأساسيات هنا مثل أساس البُنيان، لا يمكن للمَبنى أن يصمِد يوم بدون أساساته فهي ترافقه في كل لحظة. هذه الأساسيات تصون أذهاننا وقلوبنا من أن تعصِف بها الهموم والأوْهام والأحْزان أو أن تُسَيطر عليها الأنانية والغيرة. أو أن  تأخذنا لحظات النشوة والسعادة والنجاح فَتشَبث بها ويصبح الخوف من زوالها شغلنا الشاغل، وكثيرة هي الدوامات التي نعرفها جميعا. من الضروري أن نعرف هذه الدوامات ونُدركها ونفهمها جيدا حتى لا نقع في فخها فهي تأتي بمذاقات حلوة أو مالحة أو مُرّة … إلخ. نراها نلاحظها ونعي بحركتها في حياتنا أذهاننا وقلوبنا وعند الآخرين. 

بالنسبة للمسار الروحاني البوذي وإن كنت من المُهتمين بتدريباته، هو يضُم مرحلة التعاليم الأساسيَّة أوّلاً ( يُشار إليها أحيانا بالهنيانا والثيرافادا) وهذه التدريبات الأساسية هي رفع الوعي والتدرَُب على تأمُّل الشاماتا (تجدونه في صفحات موقع دارما بستان مثلا في صفحة http://dharmabustan.com/2018/03/03/373/) وتأمل الفيباسانا. 

لا يمكن الانتقال إلى المراحل الأخرى والطرق الأخرى في حمْل التعاليم مثل الماهايانا والفاجرايانا وتدريبات الرأفة ومسار البوديساتفا والتانترا دون التمكن من هذه الأساسيات ولذلك هناك مصطلح Idiot Compassion في الماهايانا وهو الرأفة الحمقاء وهي التي لا يقودها الوعي والذهن المُدرَّب جيدا.

وصحيح أن البوذية تقوم على أساس أن هذا العالم مثل الحُلُم وأن كل شيء وهْم على مستوى الحقيقة المُطلقة لكنها تذكرنا أيضا بأننا نعيش في الحقيقة النسبية حيث تحكمها قوانين وأسباب وشروط ولها تبعات ولذلك يلزم احترام الحقيقة النسبية فهي التي نعيش فيها حتى وإن كانت غير ثابتة ودائبة التغيّر مثل الوهم لكن لها وجود نسبي. البوذية ليست فلسفة عَدَمية أو فنائية لمجرد أنها تؤمن أن كل شيء وهْم، فهي ترى أن هناك حقيقتان واحدة نسبية والأخرى مُطلقة ولا يمكن القفز للحقيقة المُطلقة بإنكار الحقيقة النسبية (حيث قوانين المادة وعالم الأسباب … إلخ.) فإنكارها كما يقول المعلم دزونغسار رنبوتشي  هو استسلام للاعتقاد بالعدم والفناء ولذلك إن كنت من الفنانيين أو العدميين، فالفلسفة البوذية ليست الفلسفة المُناسبة لك.

فعلينا احترام قوانين هذه الحقيقة النسبية من أسباب وشروط وتبعات. كيف نقوم بهذا؟ كما يقول المعلم منغيور رنبوتشي يكون من خلال فهم قانون الكارما من خلال البوديتشيتا (أي التّوق لإدراك الحقيقة واليَقَظة لتحرير النّفس ومُساعدة الآخرين في الوصول إلى ذلك (كما تقول المُعلمة بِما تشودرُن) ونيل السعادة غير المشروطة). الرأفة والتأمل واللطف والمحبة أي ألا نتسبب بأي أذى لأنفسنا أو للآخرين. فحسب الفلسفة البوذية بدون البوديتشياتا لا يمكن التسامي  والوصول للحقيقة المطلقة أو حالة بوذا. فمن خلال الحقيقة النسبية نصل للحقيقة المطلقة. قدَّم بوذا مثالا على ذلك قائلا: عندما تَفْرُك قطعتين من الخشب الجاف تنشا النار والتي تحرق الخشب أيضا. فمن خلال التدريبات ضمن الحقيقة النسبية لا بد من التدرُّج، فلا يحدث الأمر هكذا بين ليلة وضحاها، لا يمكن أن نتَّصل فجأة مع الحقيقة المطلقة دون تدريب وتنقية للذهن والقلب. لا يمكن!

وحسب الطريقة الثالثة في حمل التعاليم وهي الفاجرايانا  فإننا لا ندرك أن طبيعتنا الأصلية وطبيعة جميع الكائنات هي الطبيعة النقيَّة أو الخيّرة أو البناءة هي طبيعتنا الأصلية ولكننا لا ندركها. فكلما تدرّبنا على تنمية الرأفة داخلنا أو المَحَبَّة والرغبة القوية في رفع المعاناة عن الجميع بما في ذلك أنفسنا تكبر هذه الخصال إلى أن تصبح بلا حدود. فجهلنا كبير وهناك كثير من الجهل الذي تربينا عليه أو اعتدنا عليه فمن الضروري الصبر والمثابرة والكثير من المَحبَة.