إعداد وترجمة خلود غروفز

إضاءات في التأمل

يقول المعلم تشوغيام ترونغبا رنبوتشي “في التأمل الحقيقي لا نطمح لإثارة الأفكار أو كبتها. فقط نسمح لها بالحدوث تلقائيا فتكون تعبيرا عن القوى العقلية الأساسية. وتصبح تعبيرا عن دقة ووضوح الحالة اليقظة للذهن. فالذهن مثل القرد المجنون فهو لا يهدأ ويتقافز هنا وهناك، والتدرب على التأمل وسيلة للإمساك بهذا القرد، فهذه هي نقطة البداية. وهذا التدريب يُسمّى  في السنسكريتية shamatha . وهذا ببساطة يعني تنمية السلام وما نقصد بذلك ليس الاجتهاد في تنمية حالة من السلام بل البساطة!”  – من كتاب “The Pocket : Chogyam Trungpa”

يؤكد المعلم منغيور رنبوتشي أنه من الضروري جدا قبل التأمل  أن نعرف النظرة والرؤية التي تنطلق منها الفلسفة التي تتأمل ضمنها. بالنسبة للفلسفة البوذية يُمكن تلخيص النظرة أو الرؤية أو المنظور الذي تنطلق منه الفلسفة البوذية بثلاثة مراحل وهذه مراحل أو طرق في حمل تعاليم الفلسفة البوذية (وهي: الطريقة الأساسية و الماهايانا والفاجرايانا). فالأولى تعلّمنا الانضباط وهي تضم الالتزام الأخلاقي وتدريبات التأمل الأساسية مثل الشاماتا والفيباسانا والتي بدونها لا يمكن الانتقال للمرحلة التي تليها وهي الماهيانا والتي تعلمنا الحب والانفتاح ثم الفاجرايانا التي تُعلمنا حول طبيعتنا الحقيقية النقية والحكمة المُتأصلة فينا. فلا يجب بأي شكل التعصب لمرحلة واحدة والادعاء بأنها هي الطريق الصحيح وإلا سنقع في فخ التعصب الديني وجعل البوذية  دين يتعلق بمرحلة واحدة، وننكر المراحل الأخرى. فالماهايانا تدريبات عظيمة تنقلنا للفاجرايانا. والمرحلة الأساسية تدرّب أذهاننا للانتقال للماهايانا والفاجرايانا. وإلا نكون مثل الذي يفرض مبادئ الفيزياء المتقدمة على طلاب الصف الأول. يعني إذا رغب أحد في القفز لتعاليم المرحلة الثالثة دون أن يكون قد فهم طبيعة الوجود النسبي والمطلق وحقق الانضباط الضروري في الأخلاق والتأمل وإذا لم ينق قلبه ويملأه محبة ورأفة لا يمكنه الانتقال لمراحل التدريب المتقدمة وطبعا هناك العديد من الناس الذين يعميهم غرورهم أو الأنا المتضخمة فيهم من أن يكونوا واقعيين في التدرّج على المسار الروحاني.

التأمل في اللغة التبتية هو སྒོམ་ ويُلفظ غُم وبالسنسكريتية بافانا Bavana. يشير العديد من المعلمين البوذيين التبتيين إلى أن معنى التأمل هو الألفة مع النفس ونماط التفكير والانفعال في داخل الذهن سواء الإيجابية أو السلبية فبدون معرفة أنفسنا لا يمكن التقدم في وعينا ومسارنا الروحاني.

يذكر المعلم منغيور وصف جميل لبداية الرحلة في مسار التأمل، خاصة ما يُطلق عليه أسلوب تأمل الشاماتا وهو ما يُنصح به لكل من يبدأ على هذا الطريق:

مراحل التأمل الثلاث التي يمر بها المبتدئين:

  • في المرحلة الأولى في التأمل بداية تلاحظ شدة عواطفك وانفعالاتك وهذا أمر جيد ولا ينبغي أن يوترك أو يشعرك بخيبة الأمل، فـأنت تجلس بهدوء وتلاحظ نفسك وأنماطها وتألف نفسك أكثر وأكثر، وبدون معرفة أنفسنا على حقيقتها لا يمكن التطور في المسار الروحاني. 
  • المرحلة الثانية يصبح فيها الذهن أقل انفعالا واضطرابا وأكثر استقرارا. 
  • والمرحلة الثالثة يصفى الذهن ويصير بلا اضطراب وانفعال كالبحيرة الصافية.

مهما كانت الحالات التي يمر بها المتدرب فإنها لا تدوم فترات طويلة ومن الضروري ألا نتعلق بها بل ننظر إليها كمرحلة على الطريق ونكمل مشوارنا لنتقدم أكثر، ولهذا من الضروري أن يكون لديك معلم مؤهل في التأمل حتى يرشدك في هذه المراحل. ففي هذه الرحلة يمر الذهن أثناء تطوره بمراحل عديدة حتى بعد مراحل السكينة والنشوة ومع تطور الذهن وسكونه يمر مرة أخرى بمراحل التشوش والاضطراب لكن ذلك يعلّمنا أكثر عن أنفسنا فنتقدم أكثر في رحلتنا. ومن الخطأ أن نظن أن كل شيء سيبقى مثلما هو للأبد لأن هذا شكل من أشكال التعلق. 

ولنتذكر أن جوهر التأمل هو الوعي لكن حالات السكينة والسلام والنشوة والبهجة … إلخ ليست هي جوهر التأمل وليست الغاية منه، كما يقول المعلم منغيور بل الوعي.، فهي تجارب تأتي وتذهب. الوعي مثل الفضاء الممتد بل نهاية أو بداية والأفكار والعواطف والانفعالات ما هي إلا غيوم وسحب تأتي وتذهب. غيوم بيضاء ورمادية ووردية لكنها تأتي وتذهب. 

  • عند إدراك طبيعة الذهن يصبح مثل البركة الصافية وهذا يتطلب الكثير من التدريب والدراسة وضروري ألا نخدع أنفسنا أن نظن بعد بضعة ساعات من التأمل أنا قد وصلنا للحقيقة وأدركنا كل شيء. 

ويذكرنا المعلم منغيور رنبوتشي أنه كلما تدربنا أكثر على التأمل، يزيد النور فينا والهدوء ومع اشتداد النور يشتد الطل بمعنا أن أذهاننا تصبح أكثر حساسية وتبدأ بملاحظة الطلال والأمور والأنماط السلبية داخلنا وهذا يجب أن يشجعنا على المسير في رحلتنا بدلا من الإحباط.