“تعيشي” و”للبعيش”

إعداد وترجمة خلود غروفز

في دراستي للفلسفة البوذية والتأمل في مبادئها التي في فهم الوجود والنظر للحياة، بدأت استحضر كلمات كانت جدتي وجدي وكبار السن يستخدمونها كثيرا في السبعينيات والثمانينيات، كانت تضحكني هذه الكلمات وتستفزني في طفولتي لكن الآن أدرك قيمتها وأنا أدرس مبادئ الفلسفة البوذية. كانت جدتي تقول لي ولكل من يقدم لها كأس ماء أو يُسدي لها خدمة ما أو يناولها شيئا: ” تعيشي يا ستي”. وكان الجميع يستخدم عبارة “للبعيش” عند التخطيط لما سنفعله غدا. كلمات تذكرنا في كل لحظة أن الحياة ثمينة وأنها قد تنتهي في كل لحظة. هذه الكلمات البسيطة التي كان يرددها الكبار ربما قبل عقد أو عقدين من الزمان تشكل أحد الأساسيات الهامة في مبادئ الفلسفة البوذية وهي: كم هي ثمينة هذه الحياة فندعو بطول العمر كأفضل ما يمكن أن تقوله لشخص يسقيك أو يُسدي لك معروفا. أحد هذه المبادئ هو: الحياة ثمينة جدا ولنجعل أذهاننا وحواسنا تعيشها وتكون حاضرة فيها في كل لحظة فننثر غبار الكسل والبلادة باليقظة وحضور الذهن. كانت جدتي تقول وكما الكثير من الجدات: “دوام الحال من المحال” وهذا يمثل المبدأ الآخر: التغيير دائم، فلنكون يقظين ومنتبهين فلا يأخذنا فيضان الانشغال أو الأوهام والجهل بطبيعة الحياة فنموت دون استعداد للرحلة التي تنتظرنا، وكل لحظة بداية رحلة! والزوادة هي الوعي والانتباه. 

ويمكن تلخيص هذين المبدأين الذين يمثلان جزء من تعاليم المرحلة الأساسية في الفلسفة البوذية كالأتي: (من موقع دير كاغيو سميي لنغ: https://www.samyeling.org/buddhism-and-meditation/hinayana/)

“نظن بأننا أفراد منفصلين عما حولنا وأننا وحياتنا وصلة ثابتة لا تتغير وأننا مستقلين عما حولنا. لكن إذا نظرنا إلى تجاربنا نرى أفكارنا وعواطفنا في تغيير مستمر، في لحظة نشعر بالسعادة ثم تأتي أخرى تسلبها منا وترسم الألم على وجوهنا ثم يأتي خبر يمحو ملامح الألم ويرسم ابتسامة لطيفة وفراشات، إلى أن يأتي شخص ما يشتت انتباهنا ويغير مزاجنا مرة أخرى. لقد أعتدنا التفكير في هذه العملية دائمة التغيير على أنها “أنا” وكأنها شيء ثابت وكينونة ثابتة تحدث لها هذه الأشياء. من منظور الفلسفة البوذية، لا يوجد كينونة ثابتة اسمها “أنا”، بل هذه ال “أنا” هي ببساطة تسمية نطلقها على هذا التيار المتدفق من الإحساسات والحالات الذهنية فهي ليست شيء منفصل يمر بهذه التجارب. 

ونحن نبني حياتنا ووجودنا على هذا الافتراض الخاطئ من أننا كينونة منفصلة وثابتة فنصبح متعلقين بكل لهذا الإحساس الخاطئ بالنفس. فما نعرفه ونسميه بأنه “انا”: جسمي واحساساتي وأفكاري وحياتي  – كل هذه الأشياء مكونة من العديد من العمليات المادية والذهنية المرتبطة ببعضها البعض والمتغيرة لحظة بعد أخرى. فنُكابر بأننا لن نكبر أو أننا لن نُصاب بالمرض أو أننا لن نموت … إلخ، فلا شيء منفصل أو مستقل عن غيره، نحن وكل الأشياء في هذا العالم مرتبطين ببعض. والمعاناة بكل أشكالها تأتي نتيجة لعدم إدراكنا لهذه الحقيقة!” ,وهذا ما يُسمى بالحقيقة النسبية في الفلسفة البوذية والتي بدون فهمها واحترام قوانينها لا يمكن الوصول إلى الحقيقة المطلقة وإدراكها. وهذا أيضا ما يُسمى بقانون الكارما: عالم الأسباب، عالم القوانين فتأتي تدريبات الفلسفة البوذية في التأكيد على التدريبات والمبادئ الأساسية: عدم الأذى والانتباه واليقظة والتفكَر والتدرّب على التأمل في تهدئة الذهن وصفائه ثم التدريبات العليا في المحبة لكل الكائنات والانفتاح الذهني وإدراك حقيقتنا النقية حتى نكون مستعدين للتعامل مع هذا الوجود وهذه الحياة البشرية الثمينة. ونرى كيف أننا نحصد ما نبذر”